يمكن لـ"المستقلبيين" أنّ يجزموا جزماً قاطعاً أنّ عودة زعيمهم سعد الحريري الثانية إلى بيروت لم تكن بنية المشاركة فقط في احتفال "14 شباط". صحيح أنّ لوقوفه على المنبر في الذكرى العاشرة لاستشهاد والده، رمزية محدّدة ومعنى سياسياً واضحاً بالنسبة إلى جمهوره وجماهير الحلفاء، ولكن في ذهن الرجل حسابات أخرى واعتبارات أخرى، هي التي أملت عليه أن يقطع تذكرة الإياب.
هذه المرّة قرّر الرجل بمبادرة منه، وليس من المملكة السعودية أن يعود إلى مكتبه في بيت الوسط، لمتابعة التطورات اللبنانية، بتفاصيلها "السخيفة" ومحطاتها المفصلية، حتى راح بعض الخبثاء يعلّقون مازحين بالقول إنّ الحريري كان يتصرف على أنّه رئيس حكومة أصيل، بعدما زاح الوكيل، أي تمّام سلام، جانباً.
فالمنطقة التي تشهد تطورات إنقلابية متسارعة، لا تعفي الساحة اللبنانية من آثارها وانعكاساتها، كانت واحداً من العوامل المؤثرة في أجندة الحريري. يكفيه أنّ الكرة الأرضية بأجمعها تخوض حرباً صعبة ضدّ الإرهاب، سواء كان مرتدياً زيّاً داعشياً أو قاعدياً أو أيّ تسمة جديدة، حتى يجنّد جهوده وفريقه السياسي في خدمة هذه القضية.
هكذا لم يعد بمقدوره أن يرجم مشاركة "حزب الله" في القتال في سوريا، طالما أنّ الأخير يتشارك كتفاً على كتف مع المؤسسة العسكرية في الدفاع عن الحدود اللبنانية التي تستبحيها الميليشيات السوداء. حتى أنّ عواصم القرار الدولي راحت تغضّ الطرف عن هذه المشاركة، لا بل تكاد تباركها حتى لو لم تقلها بالحرف الواحد.
وما لا يقوله الحريري بالصوت والصورة، فإنّ هناك إجماعاً دولياً على عنوان مكافحة الإرهاب، ولبنان جزء من هذه المنظومة الدولية التي اختارت أن توحّد جهودها في سبيل مكافحة ظاهرة الدم والنار، وبالتالي إنّ ما يحصل على الأرض اللبنانية من تصدّ للمدّ الإرهابي، هو بمباركة دولية، أميركية على وجه الخصوص، تقدم كلّ الدعم العسكري والسياسي اللازم لمنع تسلّل المجموعات الإرهابية إلى الداخل وتهدد الإستقرار القائم.
وهكذا تُفهم الإستراتيجية الوطنية لمكاحة الإرهاب التي دعا الحريري إلى وضعها، كواحدة من قطع "البازل" الدولي التي يتمّ حياكتها، حيث يقول المطلعون إنّ واحداً من أسباب عودة رئيس تيار "المستقبل" إلى بيروت هي "شرعنة" الحرب التي يقوم بها الجيش في وجه الإرهاب، وتقديم لها الدعم السياسي اللازم، ولاسيّما أنّه من المتوقع أن يشهد فصل الربيع، فصولاً ساخنة من المواجهات، تحتاج إلى كلّ الدعم من جانب "التيار الأزرق".
ولهذا لم يكن مستغرباً الإجراء المتخذ بحق النائب خالد ضاهر الذي لم يعد بمقدور تيار "المستقبل" استيعاب خطابه أو مفرداته، وكان لا بدّ من خطوة ما. كما يُفهم الغطاء الكامل الممنوح للخط الأمنية التي تقوم وزراة الداخلية بتنفيذها، حيث يؤكّد المطلعون أنّ ما تقوم به الصنائع يحظى بدعم مطلق من سعد الحريري، ليس من باب دعم طموحات نهاد المشنوق وتقوية دائرة نفوذه، وإنّما انسجاماً مع الحرب الدولية لمكافحة الإرهاب.
وهنا تكمن القطبة المخفية للهدف الثاني من زيارة "الشيخ"، وهي تمهيد العودة إلى قلب السطة. بتقدير كثر، لم يعد بمقدور الحريري البقاء في صفوف المعارصة والتفرج على الآخرين يتقاسمون خيرات الدولة، ولا بدّ من أن يكون جزءاً منها. هكذا جلس مع "المقاتلين الصفر" على مائدة تمّام سلام، ليس فقط ليكون واحداً من مكونات السلطة البديلة عن رئيس الجمهورية، ولكن من ضمن خطة واحدة تقضي بأن يعود الحريري إلى السراي الحكومية.
قد لا تكون العودة سريعة، وفق بعض المطلعين، وتحديداً بعد انتخاب رئيس للجمهورية، على اعتبار أنّ إجراء الإستحقاق الرئاسي سيكون ملحقاً بالإستحقاق النيابي، وبالتالي تشكيل حكومة إنتقالية تشرف على الإنتخابات... ومن بعدها يكون دور سعد الحريري قد حان.
(لبنان 24)