تشي التطوّرات المستجِدّة على الساحة السوريّة بأنّ نسبة التفاؤل بإمكانيّة صمود اتّفاق كيري ـ لافروف الذي تمّ التوصّل إليه في جنيف يوم التاسع من الشهر الحاليّ ما زالت ضئيلة، وذلك على خلفيّة حدثيْن لافتيْن تصدّرا واجهة المشهد السوريّ نهار أمس الجمعة، وعكسا من المؤشّرات ما يكفي للتأكيد على استمرار أزمة الثقة بين واشنطن وموسكو حيال آليّات تطبيق هذا الاتّفاق، ولا سيّما أنّ الحدث الأوّل تمثّل في إعلان الولايات المتّحدة عن أنّها لن تقوم بالتعاون مع روسيا في إنشاء "مركز التنفيذ المشترك" ما لم يتمّ إيصال المساعدات الإنسانيّة إلى المناطق المحاصَرة في سوريا، بينما تمثّل الحدث الثاني في إعلان الجانب الروسيّ عن أنّ أُولى البيانات التي تسلَّمَها من الأميركيّين مؤخّرًا حول مواقع الفصائل السوريّة التي يدعمونها، لم تكن كافيةً للفصل ما بين مواقع "المعارضة المعتدلة" وما بين مواقع جبهة "النصرة"، الأمر الذي يكاد يعيد لعبة الكرّ والفرّ، أو بالأحرى لعبة القطّ والفأر، بين "الشريكيْن اللدوديْن" إلى مربّع الصفر.
وإذا كانت الخارجيّة الأميركيّة قد أشارت البارحة إلى أنّ الوزير كيري أبلغ نظيره لافروف، في مكالمةٍ هاتفيّةٍ، موقف بلاده الواضح بخصوص إنشاء "مركز التنفيذ المشترك"، فإنّ ورود هذه الإشارة في اليوم نفسه الذي أعلن فيه البنتاغون عن تمكّن التحالف الدوليّ الذي تقوده الولايات المتّحدة من تصفية "وزير إعلام داعش" وائل عادل حسن سلمان الفياض، جرّاء "غارةٍ جوّيّة دقيقةٍ" شنّتها مقاتلات التحالف على موقعه في محافظة الرقة السوريّة، يوحي بأنّ الأميركيّين أرادوا ضرب "العصفور الروسيّ" بحجريْن متتالييْن في يومٍ واحدٍ، أملًا في إجباره على التوقّف عن "التغريد خارج سرب" الصفقات المتبادَلة المتّفَق عليها الأسبوع الماضي في جنيف، ولا سيّما أنّ هذه الغارة لم تُشنَّ منذ يومٍ أو يوميْن أو ثلاثة، وإنّما قبل عشرة أيّام، بحسب ما أعلنه المتحدّث باسم البنتاغون بيتر كوك، الأمر الذي يوحي، استطرادًا، بأنّ هذيْن الحجريْن الأميركيّيْن استهدفا، بالدرجة الأولى، التصويب على "تشكيك" روسيا بجدوى البيانات الأميركيّة الخاصّة بمواقع تمركز فصائل المعارضة السوريّة.
تشكيكٌ.. كان قد تجلّى في فحوى الكلام الذي جاء على لسان الممثّل الروسيّ الخاصّ عن وزارة الدفاع في مجموعات وقف إطلاق النار والشؤون الإنسانيّة في جنيف ألكسندر زورين، وخصوصًا عندما قال إنّ الضبّاط الروس وممثّلي البنتاغون والمخابرات الأميركيّة أجروا اتّصالاتٍ في جنيف، مشيرًا إلى أنّ الجانب الأميركيّ قدّم بياناتٍ متعلّقةً بمناطقِ تمركز الجماعات المسلّحة الخاضعة للولايات المتّحدة، وموضحًا أنّ التحليل الأوّليّ للبيانات لم يسمح بفصل مواقع "المعارضة المعتدلة" عن مواقع جبهة "النصرة".
معلومٌ أنّ محادثات الوزيريْن كيري ولافروف في جنيف الأسبوع الماضي كانت قد أسفرت عن التوصّل إلى اتّفاقٍ لوقف إطلاق النار في سوريا، يقوم على أساس وقفٍ تجريبيٍّ لمدّة ثمانٍ وأربعينَ ساعةً، ويتكرّر بعدها لمرّتين، وبعد صموده لسبعةِ أيّامٍ يبدأ التنسيق التامّ بين أميركا وروسيا في قتال تنظيم "داعش" و"جبهة فتح الشام" (جبهة "النصرة" سابقًا)... فهل يمكن القول في ضوء المعطيات الآنفة الذكر، والناجمة عن لعبة الكرّ والفرّ، إنّ الاتّفاق بين الجانبيْن لا يزال ساريًا؟
سؤالٌ.. لعلّ ما يبدو واضحًا على إيقاعه هو أنّ عناصر "داعش" هم المستفيدون وحدهم، حتّى الآن، من تجلّيات هذه اللعبة!
فبحسب ما نقلته وكالة "ريا نوفوستي" الروسيّة عن مصدرٍ كورديٍّ مساء أمس، فإنّ هؤلاء "الدواعش" شنّوا في الصباح هجومًا بقذائفَ مزوّدةٍ بموادَّ كيميائيّةٍ على قريتيْ حربل وأمّ حوش شمال حلب، ما أسفر عن تسمّم ثمانية أشخاص، بينهم خمسة مدنيّين وثلاثة مسلّحين من جماعة "جيش الثوّار"، الأمر الذي سرعان ما أكّدته مصادرُ طبيّةٌ في مستشفى عفرين عندما تحدّثت عن أنّ المصابين فقدوا وعيهم بعد ساعتين من الهجوم، مشيرةً إلى ظهور آثار الموادّ الكيميائيّة السامّة على أجسادهم.
وإذا كان شرّ البليّة ما يُضحك، حتّى في عزّ أوقات الأسى والألم، فإنّ الشرّ والبليّة هنا يتمثّلان في أنّ هذا الهجوم وقع بينما كان اللاعبون الكبار يلهون بتسجيل المواقف الكيديّة ضدّ بعضهما البعض، سواءٌ في مرمى قوافل المساعدات الإنسانيّة أم في مرمى الهامش الفاصل بين الإرهابيّين المعتدلين والإرهابيّين المتطرّفين... وكأنّ شبكة بطّاريّات صواريخ "إس أربعمئة" الروسيّة، على سبيل المثال وليس الحصر، لم تعد مؤهّلةً بمفردها لكي تُحدِّد ما يُفترض تحديدُه لإبرةِ بوصلة الحرب على الإرهاب؟
تساؤلٌ.. أغلب الظنّ أنّ محاولة الإجابة عليه لا بدّ من أن تشي بأنّ ثمّة تحوّلًا بارزًا وغيرَ متوقَّعٍ قد طرأ في الآونة الأخيرة على الموقف الروسيّ من الأزمة السوريّة، ويتّسم بالضعف، سواءٌ أمام الشركاء الدوليّين أم أمام الحلفاء الإقليميّين.. وما على السوريّين الذين لا يزالون يقدّمون دماءهم، فداءً لتلك الصفقة المشبوهة أم تلك، إلّا اليقين.
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)