كان يمكن لسقف التوقّعات المنتظَرة من لقاء لوزان السوريّ أن يرتفع قليلًا عن مستوى الأرض، لو قُدِّر للمراقبين التقاط مؤشّرٍ واحدٍ على الأقلّ من الوفود المشاركة بشأن إمكانيّة التفاؤل باحتمال نجاح جهودهم الديبلوماسيّة في إطفاء جمر خلافاتهم المتأجّجة باضطرادٍ، منذ وقف التنسيق الأميركيّ – الروسيّ حول سوريا في شهر أيلول الماضي، وبما يوفّر بالتالي الحدّ الأدنى من الأجواء اللازمة للتفاؤل باحتمال التمكّن قريبًا من إطفاء جمر المواجهات العسكريّة الأكثر تأجّجًا في ميادين القتال على الساحة السوريّة. ولكنّ المواقف التي تمّ رصدها البارحة بين أروقة مقرّ انعقاد اللقاء في مدينة لوزان السويسريّة، سواءٌ من وزيريْ الخارجيّة الأميركيّ جون كيري والروسيّ سيرغي لافروف، أم من نظرائهما السعوديّ عادل الجبير والقطريّ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني والتركيّ مولود جاويش أوغلو، لم تعكس حالةً سوداويّةً وقاتمةً من التشاؤم وحسب، بل وصلت إلى حدّ الإيحاء بأنّ ثمّة نذائرَ خطيرةً باتت تلوح في الأفق، وتدلّ على أنّ معارك "كسر العظم" بين الأطراف المتنازعين على "الكعكة السوريّة" أوشكت على أن تبدأ بشكلٍ أكثر دمويّةً من أيّ وقتٍ مضى بالفعل.
وإذا كان المدى الزمنيّ لمثل هذه المعارك لا يزال مستعصيًا على التقدير في الوقت الحاليّ، وخصوصًا في ظلّ ظهور المؤشّر تلو الآخر على أنّ الولايات المتّحدة ماضيةٌ في تزويد فصائل المعارضة السوريّة بأسلحةٍ ومعدّاتٍ حربيّةٍ نوعيّةٍ ومتطوّرة، وكذلك في ظلّ استمرار تساوي نسبة التقديرات حول فرضيّة ما إذا كان الرئيس باراك أوباما سيخوض مغامرة التدخّل العسكريّ المباشِر في سوريا أم لا، فإنّ الوزير سيرغي لافروف كان شديد الوضوح عندما أعلن نهار أمس السبت أنّه لا يعتزم طرح أفكارٍ جديدةٍ في لوزان، ولا يتوقّع "شيئًا محدَّدًا من هذا الاجتماع"، وكأنّه أراد القول إنّ الرهان على إمكانيّة توقّف الجانب الأميركيّ عن مواصلة وضع العصيّ في دواليب التسوية السياسيّة للأزمة السوريّة لم يعد مبرَّرًا، ولا سيّما أنّه كان يتحدّث بعد حصوله على تسريباتٍ مفادها أنّ الولايات المتّحدة لم تعد ترغب في بحث هذه الأزمة خلال لقاءاتٍ ثنائيّةٍ مع روسيا، وتفضّل حضور دول المنطقة "الأكثر تأثيرًا على الوقائع على الأرض" إلى طاولة المفاوضات، الأمر الذي يعني في إطار ما يعنيه إعادة كلّ الجهود المضنية التي بذلها مع نظيره جون كيري طيلة الأشهر الماضية إلى مربّع الصفر.
الحرب العالمية الثالثة!
لا شكّ في أنّ ثمّة حساباتٍ داخليّةً أميركيّةً حالت دون إنجاح اتّفاق كيري – لافروف الأخير، خصوصًا أنّ بعض التقارير كانت قد أشارت إلى وجود خلافاتٍ حادّةٍ حول بنوده بين كلٍّ من البيت الأبيض والبنتاغون ووكالة المخابرات المركزيّة، الأمر الذي تفسرّه مغامرة قيام المقاتلات الأميركيّة بشنّ غارتها المشبوهة على مواقع الجيش السوريّ في دير الزور، بُعيْد التوصّل إلى الاتّفاق، وما نجم عن ذلك من توتّرٍ في العلاقات بين موسكو وواشنطن، ولدرجةٍ دفعت على الاعتقاد بأنّ نواقيس الحرب العالميّة الثالثة أوشكت على أن تُقرع بالفعل.
ولعلّ ما يعزّز هذا الاعتقاد هو أنّ لغة الخطاب الرسميّ الأميركيّ ما زالت تواصل التحريض لغاية اليوم على وجوب تحرّك الولايات المتّحدة بقوّةٍ أشدّ في سوريا، وإلّا فإنّها تخاطر بأن تفقد ما تبقّى لها من نفوذٍ لدى "المعارضة المعتدلة" وحلفائها الآخرين من العرب والأكراد والأتراك. وعلاوةً على ذلك، فإنّ تقاريرَ سرّيّةً تحدّثت قبل يومين عن أنّ بعض الخيارات المتاحة أمام واشنطن في الوقت الراهن، تشمل عملًا عسكريًّا مباشِرًا، مثل شنّ ضرباتٍ جوّيّةٍ على قواعدَ عسكريّةٍ أو مخازنَ للذخيرةِ أو مواقعَ للرادارِ أو قواعدَ مضادّةٍ للطائراتِ السوريّة، علمًا أنّ التقارير ذاتها أوضحت أنّ مثل هكذا خيارٍ يثير احتمال حدوث مواجهةٍ مباشِرةٍ مع روسيا يحرص الرئيس أوباما على تجنّبها.
وفي هذا السياق، كان لافتًا ما قاله الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات البريطانيّة جون سويرز لصحيفة "الغارديان" يوم الأربعاء الماضي عن أنّ العالم يواجه حاليًّا تهديداتٍ بمستوياتِ حقبة الحرب الباردة بسبب الأزمة السوريّة، وكذلك بسبب عدم إدراك التطوّر الذي أحرزته القوّة العسكريّة الروسيّة، وخصوصًا عندما دعا الغرب إلى الاعتراف بأنّ ميزان القوى في العالم تغيّر إثر ازدياد هذه القوّة، وارتفاع نسبة العزم على استخدامها، مشدِّدًا على خطورة الخطّة الأميركيّة التي تستهدف إقامة منطقة حظرٍ جوّيٍّ جزئيٍّ في سوريا، نظرًا لأنّ روسيا لن تسمح بعد الآن بتعرّض حلفائها فوق الأراضي السوريّة لأيّ هجوم.
وسط هذه الأجواء، يتوجّه وزراء خارجيّة دول الاتّحاد الأوروبيّ إلى اجتماعهم المقرَّر عقده في لوكسمبورغ غدًا الاثنين، أملًا في الثأر لكرامة حليفهم الأميركيّ المنتهَكة، وذلك عن طريق تبنّي مسودّة البيان الختاميّ التي كانت قد سُرِّبت أصلًا نهار الخميس الماضي، أي قبل يومين كاملين من إتمام لقاء لوزان البارحة، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ هذا التوقيت إن دلّ على شيء، فهو يدلّ على وجود نيّة مسبَقةٍ كانت تستهدف ممارسة الضغط على روسيا في لوزان، سعيًا إلى دفعها لاحقًا على قبول شروطٍ أوروبيّةٍ يبدو أنّ فرنسا عجزت عن تحقيقها في مجلس الأمن الدوليّ، فاختارت تمريرها عبر اجتماع وزراء خارجيّة الاتّحاد، خصوصًا وأنّ مسودّة البيان تُقارب تمامًا المشروع الفرنسيّ التي قدّمته باريس في اجتماع مجلس الأمن الأخير، والذي تمّ إحباطه بفيتو روسيّ بسبب تضمّنه إشاراتٍ كانت ترمي إلى إدانة دمشق وموسكو بارتكاب أفعالٍ في الشطر الشرقيّ الخاضع لسيطرة فصائل المعارضة في مدينة حلب "ربّما ترقى إلى جرائم حرب"!
وقد ورد في مسودّة البيان أيضًا أنّ "الاتّحاد الأوروبيّ يكرّر قناعته بأنّ الأزمة السوريّة يجب إحالتها للمحكمة الجنائيّة الدوليّة، وسيواصل انتهاج سياسته الخاصّة بفرض إجراءاتٍ تقييديّةٍ ضدّ النظام السوريّ ومؤيّديه"، ولكن من دون الإشارة إلى روسيا بشكلٍ مباشِر، الأمر الذي يشي بأنّ رسالة الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات البريطانيّة وصلت، ولو متأخرّةً، إلى عنوانها الصحيح في الغرب الأوروبيّ والأميركيّ على حدٍّ سواء، علمًا أنّ ما تقدَّم لا يلغي بالطبع استمرار وجود احتمالات المغامرات والمقامرات والمؤامرات في الحسابات الأميركيّة والأوروبيّة.. وأغلب الظنّ أن طريق الكاستيلو في حلب ستكون شاهدةً على ذلك خلال الأيّام القليلة المقبلة، بينما ستكون لغة التخاطب هناك روسيّةً بامتيازٍ، حتّى العظم.. وما على مقاولي سياسات الولايات المتّحدة الإقليميّين هذه المرّة إلّا اليقين!
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)