يشي استحضار شعار "المشروع الإيرانيّ في لبنان" وترديده بشكلٍ شبهِ يوميٍّ في لغة التخاطب الكيديّة لعددٍ من المسؤولين المحلّيّين في البلد، ضدّ بعضهم البعض، بأنّ ثمّة نزعةً ضمنيّةً أصبحت تُلازم سلوكيّاتهم، وتُدار عن طريقِ جهازٍ خارجيٍّ للتحكّم عن بُعد، سعيًا إلى النفخ في "كومة قشّ" الفتنة السنّيّة – الشيعيّة التي بقيت لغاية الآن، بقدرةِ قادرٍ، عصيّة على الاشتعال، على رغم توفّر كافّة "الحواضر الوطنيّة" الكفيلة بإيصال مساحة العشرةِ آلافٍ وأربعمئةٍ واثنينِ وخمسينَ كيلومترًا مربّعًا إلى الجحيم، بلمحِ البصر، وبمجرّدِ عودِ كبريتٍ يُرمى في تلك "الكومة"، لا أكثر ولا أقلّ.
على هذا الأساس، كان لا بدّ لمصادرَ أكاديميّةٍ روسيّةٍ واسعةِ الاطّلاع على الملفّ اللبنانيّ من أن تنظر بارتيابٍ إلى التحرّك الجماهيريّ الطرابلسيّ الذي قام به البارحة أنصار وزير العدل المستقيل اللواء أشرف ريفي، وإدراجه في سياق مغامرةٍ خطيرةٍ تُنذر بعواقبَ وخيمةٍ على أبناء عاصمة الشمال وغيرها من مدنِ وبلداتِ وقرى الوطن، ولا سيّما أنّ المواظبة على ترديد الأسطوانة الداعية إلى ضرورة الوقوف بحزمٍ ضدّ "مرشّحيْ النظام الإيرانيّ وحليفيْ حزب الله وبشّار الأسد"، أي الجنرال ميشال عون والنائب سليمان فرنجيّة، تحمل في طيّاتها ما يكفي من الإيحاءات اللازمة لإثارة الاحتقان السنّيّ في مدينة "التقوى والسلام" التي كادت في الأمس القريب أن توشك على طيّ صفحة جراحاتها وآلامها، سواءٌ في باب التبّانة وجبل محسن، أم في الميناء التي قضى فيها رفاقٌ وطنيّون، طيّب الله ذكرهم، بأسلحةٍ إسلاميّةٍ تكفيريّة، علاوةً على ما تتّسم به تلك الإيحاءات من ضيقِ أفقٍ سياسيٍّ واستراتيجيٍّ، وخصوصًا في ضوء المعطيات والمؤشّرات الدوليّة والإقليميّة التي يُفترض أن تُقرأ حاليًّا بإمعانٍ بين موسكو وواشنطن من جهة، وبين الموصل وحلب من جهةٍ أخرى، وما يلوح في الأفق على إيقاع ذلك من احتمالاتٍ بشأنِ قرع طبول الحرب العالميّة الثالثة.
أغلب الظنّ أنّ حماس اللواء ريفي غلبه أمام اشتهاءات قاعدةٍ جماهيريّةٍ توّاقةٍ إلى تفجير احتقانها المذهبيّ، خدمةً للمجهول في مستقبل هذا الوطن، علمًا أنّه كان باستطاعته، وبكلّ بساطةٍ، أن يُسجِّل تحفّظه على التطوّرات الأخيرة المتعلّقة بالاستحقاق الرئاسيّ، في ضوء تبنّي الشيخ سعد الحريري ترشيح العماد عون لسدّة الرئاسة، عبر تصريحٍ أو بيانٍ أو مؤتمرٍ صحافيٍّ، أسوةً بما فعله "غريمه" في معركة الانتخابات البلديّة الأخيرة الرئيس نجيب ميقاتي، على سبيل المثال، حيث كانت لغة التخاطب مع الآخرين هادئةً ومتّزنةً، ولم تستوجب اللجوء إلى الشارع الذي يبدو بكافّة إرهاصاتِ تخبّطه في الوقت الراهن كما وأنّه لا يحتاج سوى إلى دفٍّ لكي يرقصَ مترنِّحًا، ويجسّدَ مشهديّات "جنائزيّة تانغو الاحتقان المذهبيّ الأخير"، على حدّ تعبير المصادر الروسيّة.
وفي هذا السياق، لا بدّ من الإشارة إلى أنّه إذا كانت هناك شريحةٌ من اللبنانيّين تصرّ على اعتبار تحرّك الأمس "الريفيّ" في أحد شوارع طرابلس جاء للردّ على التحرّك "العونيّ" الأخير في الشوارع المؤدّية إلى قصر بعبدا، فإنّ الأمانة المهنيّة والأخلاقيّة تستوجب التأكيد على أنّ ذكرى يوم الثالث عشر من تشرين الأوّل عام 1990 هي مناسبةٌ ستبقى حاضرةً في الوجدان الوطنيّ بامتيازٍ، حتّى وإنْ ذهب البعض إلى الحرتقة عليها بغمزاتٍ ولمزاتٍ لا تمتّ إلى الحقيقة بصلة، مثل شائعة "هروب الجنرال عون بالبيجاما" من قصر بعبدا يومذاك، تحت وطأة القصف السوريّ الذي تمّ بتواطؤٍ أميركيٍّ أثناء حرب الخليج الثانية، وكأنّ الغمّازين واللمّازين احتفظوا بطهارتهم، ولم يخلعوا "بيجاماتهم" يومًا، بمحض إرادتهم، طيلة فترة الوصاية السوريّة على لبنان، سواءٌ في شتورا أم في عنجر أم دمشق!
واستنادًا إلى ما تقدّم، فإنّ المصادر الروسيّة تلفت إلى أنّ أكثر ما يحتاج إليه الشارع اللبنانيّ في الوقت الحاليّ هو أن ينأى بنفسه، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، عن التأثّر بخطابات التلغيم والتأجيج والتفخيخ المذهبيّة، وغيرها من المهاترات الكيديّة، وذلك لاعتبارٍ واحدٍ مفاده أنّ الوطن يتموضع الآن فعلًا، على مفترقِ طرقٍ ما بين النهوض وما بين الاستمرار في الدوران داخل حلقاته المتتالية والمفرغة.. فإمّا أن يكون منارةً لهذا الشرق الجديد الذي يتشكّل للتوّ بموازينه الدوليّة والإقليميّة الجديدة، وإمّا أن يكون مسرحًا للتجاذبات التي لا بدّ وأن تترافق على المدى المنظور مع اكتمال الترتيبات الخاصّة بمستقبل المنطقة.
وعلى هذا الأساس، تنصح المصادر بضرورة الانتباه إلى أهمّيّة إتمام الاستحقاق الرئاسيّ في أقربِ وقتٍ ممكن، وانتظار مضمون خطاب القسم الذي سيلقيه الرئيس العتيد، ومن ثمّ البناء عليه، توافقًا أم تعارضًا، وذلك لأنّ كلّ يومٍ جديدٍ من الفراغ يشكّل هامشًا لفرصِ إقامةِ مشروعِ إمارةٍ ظلاميّةٍ على جزءٍ من أراضي الجمهوريّة اللبنانيّة، أو ممرًّا للظلاميّين في طريق هروبهم إلى الخارج.. وما على المسؤولين اللبنانيّين إلّا أن يتّعظوا.. وما على الرسول إلّا البلاغ.
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)