ليس من باب المبالغة القول إنّ نظرةً واحدةً بالعين المجرّدة، وبتجرّد، إلى الصحوة الأميركيّة المفاجئة التي استوجبت مؤخّرًا تفعيل دور الولايات المتّحدة وتوسيع رقعة عمليّاتها العسكريّة في إطار الحرب على الإرهاب، سواءٌ في سوريا أم في العراق، تكفي لإقناع الرائي بأنّ الأهداف المعلَنة من ورائها، وإنْ كانت تتركّز أصلًا على الإيحاء بالرغبة في القضاء نهائيًّا على تنظيم "داعش"، إلّا أنّها تحمل في الوقت نفسه الكثير من المؤشّرات على أنّ المستهدَف الرئيسيَّ فيها هو الدور الروسيّ المتفاعل في المنطقة، وخصوصًا بعدما دلّت الوقائع الميدانيّة المسجَّلة خلال الأيّام القليلة الماضية على اقتراب موعد حسم الوضع العسكريّ على جبهات القتال في مدينة حلب لصالح الحلف الذي تقوده روسيا فوق الأراضي السوريّة، الأمر الذي كان من شأنه أن يرفع نسبة الشكوك التي تساور الكثيرين حول جدّيّة وصدقيّة الأميركيّين في حربهم على الإرهاب، لو لم يسارعوا إلى تأمين التغطية اللازمة للبدء بعمليّة تحرير مدينة الموصل في محافظة نينوى العراقيّة يوم السابع عشر من الشهر الحاليّ، أملًا في قطف ثمارها لدى اكتمال نضوجها المرتقب والوشيك.
ولعلّ ما يعزّز الاعتقاد بأنّ ما نشهده في هذه الأيّام ليس أكثر أو أقلّ من انعكاسٍ واضحٍ لحاجةِ الولايات المتّحدة الملحّة إلى الوقوف بحزمٍ أمام المدّ الروسيّ، سعيًا إلى المحافظة على ماء وجهها، يتمثّل في ما كشفت عنه دوائر الرصد العسكريّ في موسكو من معلوماتٍ وأرقامٍ حول النتائج التي حقّقتها روسيا في سوريا منذ بدء حربها على الإرهاب هناك في الثلاثين من شهر أيلول العام الماضي ولغاية اليوم، حيث يظهر بوضوحٍ أنّ المقاتلات الروسيّة وفّرت للجيش السوريّ وحلفائه غطاءً جوّيًّا مكّنهم من تحريرِ خمسِمئةٍ وستٍّ وثمانينَ مدينةً وبلدةً من سيطرة المسلّحين، والقضاءِ على قرابةِ خمسةٍ وثلاثينَ ألفَ إرهابيٍّ، الأمر الذي لم يتمكّن "التحالف الستّينيّ" الذي تقوده واشنطن من تحقيقه، على رغم أنّ عمره يفوق عمر التحالف الروسيّ بعامٍ كامل.
وبحسب الدوائر العسكريّة، فإنّ الطيران الروسيّ كان يوجِّه ما يصل إلى مئةٍ وخمسينَ ضربةً جوّيّةً يوميًّا إلى مواقع "داعش" و"النصرة"، بينما كان التحالف الدوليّ يوجِّه أقلّ من عشر ضرباتٍ يوميًّا إلى مواقع "داعش"، ومن دون أن يستهدف "جبهة النصرة" على الإطلاق.
300 خرق لهدنة حلب
وعلاوةً على ذلك، فقد أشارت الدوائر أيضًا إلى أنّه على رغم تصريحات ممثّلي التحالف الذين أكّدوا أنّهم يتمتّعون بتأثيرٍ كبيرٍ على قادة فصائل المعارضة السوريّة، فإنّ هدنة حلب الأخيرة خُرقت خلال الفترة الممتدّة بين الثاني عشر والتاسع عشر من شهر أيلول الماضي أكثر من ثلاثمئةِ مرّةٍ، الأمر الذي أودى بحياة ثلاثةٍ وثمانينَ مدنيًّا، وأدّى إلى إصابة مئتينِ واثنينِ وخمسينَ شخصًا بجروح. كما بقي الجانب الأميركيّ عاجزًا عن التأثير على "المعارضة المعتدلة" من أجل تنظيم إجلاء المدنيّين من حلب، علاوةً على أنّ المسلّحين قاموا بتفخيخ المخارج من المناطق الخاضعة لسيطرتهم، ولم يسمحوا للسكّان المسالمين بمغادرة المدينة.
على هذا الأساس، يأتي الإعلان عن الانعطافة الأميركيّة المفاجئة من الموصل العراقيّة إلى الرقّة السوريّة ليضيف مؤشّرًا جديدًا على رغبة الولايات المتّحدة في استعادة ماء وجهها، ليس بالضرورة في ملفّ محاربة الإرهاب وحسب، وإنّما في مجال الوقوف أمام اكتمال هذا المدّ الروسيّ أيضًا، الأمر الذي لا بدّ وأن يفتح باب الاحتمالات بشأن مستقبل الأوضاع في المنطقة على مصراعيه، وخصوصًا في ظلّ وصول التوتّر في العلاقات الروسيّة – الأميركيّة إلى درجاتٍ لم يسبق لارتفاع حدّتها مثيلٌ منذ الحرب العالميّة الثانية.
وبغضّ النظر عن كلّ ما تحمله تلك الانعطافة في طيّاتها من عناصرَ تدعو إلى التوجّس والارتياب، فإنّ أكثر ما يثير القلق في الوقت الحاليّ، يتمثّل في أنّ وزير الدفاع الأميركيّ آشتون كارتر أعلن بصراحةٍ مطلقةٍ أنّ عمليّة الرقّة ستجري في غضون الأسابيع المقبلة من دون التنسيق مع السلطات السوريّة، خلافًا لما هو الحال عليه في عمليّة الموصل التي تقودها حاليًّا القوّات العراقيّة.
إعلانٌ.. لم تكد أصداؤه تتردّد في العواصم المعنيّة بالأزمة السوريّة حتّى تلقّفه قائد القوّات الأميركيّة في سوريا والعراق الجنرال ستيفن تاونسند، ليضيف إليه عنصرًا جديدًا للتوجّس والارتياب، وخصوصًا بعدما دخل في تفاصيل أخرى بشأن العمليّة المرتقبة، حيث تكمن الشياطين، إثر إشارته إلى أنّ المقاتلين الأكراد من "قوّات سوريا الديمقراطيّة" سيشاركون في عمليّة تحرير الرقّة السوريّة، وكأنّه أراد أن يرمي حجرًا لتحريك المياه الراكدة في بئر العلاقات الأميركيّة – التركيّة، ولا سيّما أنّ أنقرة، ما زالت تستهدف هؤلاء المقاتلين، أكثر من غيرهم، في إطار عمليّة "درع الفرات" التي تقوم بها داخل الأراضي السوريّة، على رغم أنّهم استبسلوا في قتال الدواعش في جولاتٍ وصولاتٍ عديدةٍ.. وما تحرير كوباني، على سبيل المثال وليس الحصر، سوى تأكيد على ذلك.
وإذا كان الرئيس رجب طيّب أردوغان، ومن بعده وزير خارجيّته مولود جاويش أوغلو، قد سارعا إلى الإعلان عن رفضهما إشراك المقاتلين الأكراد في عمليّة الرقّة، على خلفيّة ارتباطهم بـ "حزب العمّال الكردستانيّ" المصنَّف إرهابيًّا في تركيا، فإنّ الحجر الأميركيّ يكون قد نجح بذلك في تحريك المياه الراكدة بين واشنطن وأنقرة، الأمر الذي لا بدّ من أن ينذر باحتمال تحوّل الحضور الكرديّ على الساحة إلى "كبشِ محرقةٍ" بين الطرفين حتّى إشعارٍ آخر.. وأغلب الظنّ أنّ العين الروسيّة ستبقى في هذه الأثناء مركّزةً على مراقبة "شياطين التفاصيل" بين الموصل والرقّة عن كثب، في انتظار لحظة التدخّل المناسِبة.
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)