على رغم السلاسة الظاهرة في النقاشات السياسية حول تشكيل الحكومة العتيدة، فإن ذلك ﻻ ينفي وجود عوائق حقيقية ينبغي تخطيها لتسهيل ولادة حكومة العهد اﻻولى. فاﻻنسابية بالتكليف قد ﻻ تسري على التأليف إن لم تعاكسها طلبات الكتل النيابية بالحصول على مكتسبات ومغانم السلطة على مسافة أشهر من اﻻنتخابات النيابية.
تجمع المصلحة المشتركة بين رئيس العهد والرئيس المكلف بضرورة اﻻسراع في تشكيل الحكومة للإنتقال نحو معالجات ملفات أخرى، لكن هذا يتطلب جهدًا وتضحيات قد تتخطى قدرة ورغبة كل منهما، خصوصا بما يتعلق الرضوخ لمتطلبات الواقع السياسي ووضعية القوى السياسية المؤثرة، وبالتالي من البديهي اﻻستنتاج بصورة أولية بأن السرعة في إنجاز تشكيل الحكومة مرتبط بالقابلية على منح أطراف أخرى مساحة في الحكم والحكومة.
ثمة مؤشرات كثيرة بدأت تتضح تباعا متصلة إلى حد ما بالمعركة الرئاسية وما خلفته من غبار سياسي، وكذلك ما تخللها من رهانات أو حسابات قد تفضي إلى خيبات أمل مع الوقت. فدعم وصول العماد عون ﻻ يعني بالمطلق إقصاء من عارضه وحرمانه من المشاركة، كما ﻻ تصح نظرية "حقيقة التمثيل السياسي" في حالة، ومن ثم تجاهلها في حالات أخرى، لتبرير عدم إشراك أطراف سياسية أخرى لها وزنها ووضعيتها واﻻكتفاء بما هو موجود .
مواقف السيد حسن نصرالله في إطلالته اﻻخيرة كانت لتصويب المسار على صعيد ولادة الحكومة عندما تطرق إلى مزايا وصفات رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، لكنه قرنها باﻻشادة بحلفائه من الشريك نبيه بري الى الوزير سليمان فرنجية، واضعًا مفاتيح المشاركة بموافقة بري. كما فتح الباب أمام المصالحة المنتظرة بين عون وفرنجية الذي تقصد عدم زيارة قصر بعبدا والمطالبة باللقاء المباشر و الصراحة التامة.
ففي هذا اﻻطار بدأت "القوات اللبنانية" تتصاعد من "الامتعاض المكتوم" بطرح شعارات الوحدة الوطنية واﻻجماع السياسي حول العهد إلى اﻻنتقاد وإن بشكل مبطن حتى الآن. فهي تقدم نفسها صاحبة الفضل بوصول عون عبر تأمينها الغطاء المسيحي بغالبيته ﻻنتخاب الجنرال، وينبغي بالتالي اعتبارها الجناح اﻵخر للعهد وحصر التمثيل بينها وبين "التيار الوطني الحر" من دون "الكتائب" و"المردة" على الصعيد المسيحي، ومن ثم اﻻكتفاء بتأييد "حزب الله" والتخلص من الثنائية الشيعية عن طريق رمي رئيس المجلس النواب في أحضان المعارضة كما سائر حلفائه.
الرئيس المكلف سعد الحريري له أهداف أخرى فوق تلبية الكتل في البرلمان، والتي أثقلت دفتره بالمطالب والمقاعد وتنتظر التشكيلة عند كوع منح الحكومة الثقة من حجبها، قد تتضارب صداقاته و تحالفاته المستقبلية مع شركائه الحاليين، وقد بات غير مستعد لمزيد من التنازلات بعدما منح الغطاء الوطني الشامل ﻻنتخاب عون بعد سنتين ونصف من الفراغ، وعليه فقد أتى وقت الحصاد .
كان ملفتًا جدًا موقف الوزير جبران باسيل الذي يتصف بحدة وتوتر في لحظة "الصفاء السياسي" ، عند قوله بأنه ينبغي تشكيل الحكومة بأسرع وقت ممكن طالما أن حقوق كل القوى السياسية مؤمنة، في حين كان ينبغي تعطيل تشكيل الحكومات السابقة 10 سنوات في السابق نتيجة حرمان المسيحيين من حقوقهم، وسط اﻻستغراب إذا كان باسيل وحده من يتولى قياس الحقوق وإعطاء نسب المشاركة على أساسها، أو كونه يعترض مسبقا على مداولات متصلة بالتشكيلة الحكومية أو تناقضات داخلية في أروقة "القصر الجديد"؟