لم تكد الاستشارات غير الملزمة التي أجراها الرئيس المكلف تشكيل الحكومي سعد الحريري تشرف على نهايتها حتى تباينت الآراء حول شكلها وحول من سيشارك فيها ووفق أي آلية، سواء لجهة توزيع الحقائب السيادية، وهي تسمية لم تعد مقبولة في عصر العولمة والحوكمة، وفي زمن تتساوى الحقوق مع الواجبات.
فالرئيس الحريري، ويجاريه في ذلك الرئيس نبيه بري ويشجعه على المضي في أن تكون الحكومة العتيدة حكومة وفاق وطني حقيقي، بحيث تجمع، وفق الاحجام، جميع المكونات السياسية، حتى تلك التي لم تسمِّ العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية، ورفضت السير بهذا الخيار، كتيار "المردة" وحزب الكتائب مثلًا.
وهذا يعني أن الحصة الوزارية المسيحية ستوزع على رئيس الجمهورية ( 3 وزراء )، التيار الوطني الحر (4 وزراء )، "القوات اللبنانية" (4 وزراء ) فيما يعطي كل من تيار "المردة" وحزب الكتائب والأقليات 4 وزراء، لتصبح الحصة المسيحية 15وزيرا، مقابل ست وزارات للشيعة وست وزارات للسنة وثلاث وزارات للدروز.
وهذا يعني أيضا أن الوزارات التي ستعطي لـ"المردة" والكتائب ستكون على حساب القوتين المسيحيين الاقوى، وبالأخص "القوات اللبنانية"، التي تعتبر انه لولا وقوفها إلى جانب العماد عون لما كانت الأمور سارت على النحو الذي آلت اليه، وقطعت الطريق على ترشيح النائب سليمان فرنجية، وجعلت الرئيس الحريري يعود عن خياره الأول بعدما تبين له أن العقدة الرئاسية لن تتحلحل إلا إذا سار في الخيار الذي سبقته إليه "القوات اللبنانية".
وتقول المعلومات المتوافرة، على قلتها، أن الحريري يعمل على خط معراب لإقناع "الحكيم" بالسير في خيار حكومة جامعة، بعكس ما يروّج له من أنه من غير الطبيعي توزير من لم ينتخب عون رئيسًا، وهو بذلك إنما يفكّر في حيثيته المسيحية، باعتبار أن ما تبقى له من الساحة المسيحية بعد وصول "الجنرال" إلى سدّة الرئاسة الأولى يجب أن تكون "صافية" لـ"القوات"، وهذا ما سيحاول تظهيره في الإنتخابات النيابية المقبلة، من خلال التحالف القائم بين "القوات" و"التيار الوطني الحر"، وبالأخص شمالًا.
ويقول مقربون من معراب أن محاولات دق اسفين في العلاقة بين "القوات" و"التيار" ستبوء بالفشل، وأنها لن يكتب لها النجاح، لأن العلاقة بين القوتين المسيحيتين الأقوى لن تتأثر بما يحاول البعض القيام به، وأن اليام الطالعة ستثبت متانة هذه العلاقة في أكثر من محور، وهي على عكس ما يعتقد البعض لم تكن علاقة ظفية حتمّتها الإنتخابات الرئاسية.
إلاّ أن ذلك لا ينفي وجود أزمة تأليف، خصوصًا أن العقدة المتمثلة بتمسك "القوات اللبنانية" بحصّ الأسد لا تزال تعيق التأليف، الذي تعتبره أوساط الحريري "ماشي"، وأن الحكومة العتيدة ستبصر النور قبل ذكرى الآستقلال، التي سيكون لها رونق خاص هذه السنة، بما يوحي بأن العهد الجديد سيزيد من قدرات المؤسسة العسكرية للحفاظ على الإستقرار العام.