قبل أن ينتقل العماد ميشال عون من العمادة إلى الرئاسة، ومن الرابية إلى بعبدا، كان يقول وعلى مدى سنتين ونصف السنة تقريبًا، أنه يحق للمسيحيين، كما غيرهم، أن يكون الاقوى والأكثر تمثيلا في بيئته الأول بين الأوائل في بيئتهم وفي المراكز المتقدمة في الدولة.
فكما أن الرئيس نبيه بري، وهو الاقوى في بيئته الشيعية مدعومًا من "حزب الله" ومفوض أن ينطق بإسمه في الشأن الحكومي وفي كثير من الملفات السياسية، يمثل الطائفة الشيعية أو الثنائية الشيعية، عبر ترؤسه سلطة متقدمة وهي رئاسة مجلس النواب، وكما أن الرئيس سعد الحريري، وهو الاقوى من حيث التمثيل النيابي لكتلته (أكبر كتلة نيابية) في بيئته السنية، يمثلها عبر رئاسة مجلس الوزراء، وقد سمّاه 112 نائبًا لتأليف الحكومة العتيدة، كان من الطبيعي أن يأتي العماد عون، وهو الاقوى في بيئته ( يرأس أكبر كتلة نيابية مسيحية وثان أكبر كتلة على مستوى كل لبنان بعد كتلة "المستقبل") إلى مركز رئاسة الجمهورية.
وبذلك تكون سيبة الأقوياء الثلاثة في بيئتهم قد أكتملت في السلطات الأولى في الدولة، بعد انضمام العماد عون والرئيس الحريري الى نادي الأقوياء الرسمي، بعدما سبقهما إليه الرئيس بري، وبالتالي لم يعد من مبرر أن تبقى أمور الدولة "مكربجة"، ولم يعد من الجائز أن يستغرق تأليف الحكومة مثلًا ما كانت يستهلكه هذا الأمر في غياب الأقوياء عن ساحة القرار. فإن تذليل أي عقبة قد تقف حائلا في وجه "تقليعة" العهد الجديد هو من بديهيات الأمور، وإلاّ يكون وراء الأكمة ما وراءها من أوراق مستورة، لا توحي بأن ثمة ثقة متبادلة بين مثلث الحكم، بغض النظر عن الفترة السابقة التي كانت تباعد بين الرئيس عون والرئيس نبيه بري بسبب تباينات في وجهات النظر وفي المقاربات السياسية التفصيلية. أما وقد أصبح "الجنرال" رئيسًا فلم يعد ثمة مبرر لتجميد البلد عند نقاط تفصيلية، التي تكمن فيها شياطين العرقلة غير المجدية.
فالأقوياء، مدعومين ممن سهّل إتمام العملية الإنتخابية، سواء في الداخل أو في الخارج، أصبحت اليوم زمام الأمور في أيديهم، مما يحتّم الإسراع في تأليف حكومة من أولى مهامها إخراج قانون جديد للإنتخابات النيابية، وبالتالي الإشراف على إجرائها في موعدها المقرر في ربيع 2017، والإنصراف بعدها إلى تركيز العمل الحكومي على دعم المؤسسات العسكرية، وفي طليعتها الجيش اللبناني، والشروع في عملية تطويرية لمؤسسات الدولة، من خلال تعيينات اساسية لملء الفراغات في أكثر من موقع، بعدما كادت تتحول الإدارات العامة إلى ما يشبه حال الشركات المفلسة والواقفة على شفير الإنهيار.
فإذا لم يكن مبدأ "الرجل المناسب في الموقع والمكان المناسبين"، وإذا كان كل فريق يريد أن تكون له حصّة الاسد في هذه التعيينات، بعيدًا عن الكفاءة والجدارة، نكون كمن يعطي السمّ لشخص يعاني من أكثر من مرض عضال.
من هنا تكون البداية الصحيحة، حيث يعطى الخبز للخباز، من دون أن يأكل بالطبع نصفه.