في انتظار الموعد المقرَّر لتسلّم الرئيس الأميركيّ المنتخب دونالد ترامب مهامّ منصبه الجديد رسميًّا من سلفه باراك أوباما في شهر كانون الثاني من العام المقبل، تشي كافّة السيناريوهات المطروحة بشأن المحطّات التي يُتوقّع أن تترافق مع الخطوات المقبلة صوب البيت الأبيض بأنّ باب الاحتمالات الخطيرة سيبقى مفتوحًا حتّى ذلك الحين على مصراعيه داخل الولايات المتّحدة وخارجها، ولا سيّما أنّ أكثر القراءات المتوافرة تفاؤلًا في الوقت الحاليّ، تحمل من التشاؤم ما يكفي للتأكيد على أنّ أصحاب "الأيدي الخفيّة" الذين درجت العادة على أن تكون لهم الكلمة الفصل في صنع الرؤساء الأميركيّين، من أمثال المحافظين الجدد وغيرهم من رموز المال والأعمال، لن يتساهلوا إطلاقًا مع هذا "المارق" إذا ما أراد العمل فعلًا على المسّ بمصالحهم، سواءٌ السياسيّة الآنيّة منها أم الاستراتيجيّة بعيدة المدى، وسوف يبذلون قصارى الجهد من أجل "تطويعه" بشتّى الوسائل والسبل، الأمر الذي لا بدّ وأن يُنذر بهزّاتٍ ارتداديّةٍ ستنجم عن زلزال نتائج الانتخابات الأخيرة بكلّ تأكيد.
في هذا السياق، تبرز دلالات الموقف الذي عبّر عنه رئيس الوزراء الروسيّ ديمتري ميدفيديف في معرض تعليقه على فوز ترامب، وخصوصًا عندما قال: "سننتظر ونرى"، وذلك بعدما كان قد لفت إلى تمايز هذه الدورة الانتخابيّة وفرادتها على خلفيّة كون الفائز فيها لا يشكّل جزءًا من النظام السياسيّ الأميركيّ الدارج، أي أصحاب الأيادي الخفيّة، بل جاء من خارج قواعده وأطره، موضحًا أنّ القائمين على هذا النظام سيقومون الآن بـ "تشكيل" الرئيس الجديد، بمعنى تدجينه أو تطويعه أو ترويضه، ومتسائلًا عمّا إذا كانت الأيّام المقبلة ستُثبت قدرته على مقاومة الضغوط التي سيخضع لها أم لا؟
هذا الموقف الرسميّ الروسيّ الذي اتّسم بالرصانة والتأنّي والحذر، وإنْ كان وزير الخارجيّة سيرغي لافروف قد استكمله لاحقًا بالقول إنّ موسكو ستحكم على الإدارة الأميركيّة الجديدة من خلال أفعالها، متحاشيًا الإجابة على سؤالٍ حول ما إذا كان فوز ترامب يشكّل حدثًا إيجابيًّا لروسيا أم لا، ومكتفيًا بالتأكيد على استعداد الكرملين للتعامل مع أيّ رئيسٍ أميركيٍّ جديد، إلّا أنّه موقفٌ سرعان ما أعاد إلى الذاكرة ما كان منظّر الحركة الأوراسيّة الجديدة البروفسور ألكسندر دوغين قد كتبه في شهر أيلول الماضي، وخصوصًا عندما توقّع أنّ أصحاب الأيادي الخفيّة سيسعون إلى جعل "بداية عهد ترامب كارثيًّا"، حينما يتأكّد لهم فوزه، نظرًا إلى أنّ "التهديد الذي يشكلّه ضدّ الليبراليّين يضع سيطرتهم على أميركا نفسها موضع تساؤل"، الأمر الذي يعني بالتالي "نهاية السلطة المطلقة لنخب العولمة المهووسة"، على حدّ تعبيره.
الحاجة إلى حرب مع روسيا!
وبحسب ما قاله البروفسور دوغين حينذاك، فإنّ "كلّ شيء في هذه المرحلة هو خطير جدًّا جدًّا"، ولا سيّما أنّ منظّري أفكار حلف الناتو وداعمي العولمة في الولايات المتّحدة هم بحاجةٍ إلى الحرب مع روسيا، نظرًا إلى أنّ "هذه هي الطريقة الوحيدة بالنسبة لهم لإطالة هيمنتهم، وتحويل أنظار الأميركيّين والعالم كلّه عن سلسلة الجرائم اللامتناهية" التي ارتكبوها، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّه بعدما تمّ الكشف عن لعبة العولمة، فإنّ "هؤلاء الأشرار سوف يضطرّون إلى التنحّي عن السلطة والمثول أمام المحكمة قريبًا جدًّا، وأنّ الحرب فقط يمكن أن تنقذ وضعهم".
وإذا كان هذا الكلام قد حمل في طيّاته أصلًا ما يكفي من المؤشّرات لإطلاق نذائرَ لا حصر لها بشأن احتمالات حدوث مواجهةٍ عسكريّةٍ مباشرةٍ بين روسيا والولايات المتّحدة خلال مرحلة ما قبل فوز دونالد ترامب بسدّة الرئاسة في البيت الأبيض، فإنّ ارتفاع حدّة نواقيس تلك النذائر، لا بدّ وأنّها قد أصبحت في الوقت الحاليّ رهنًا لمشيئة أصحاب الأيدي الخفيّة، ومدى قدرتهم على التناغم مع الرياح التي جرت بعكس ما تشتهي سفنهم، أو مدى قدرتهم على تغيير إبرة بوصلة تلك السفن.
على هذا الأساس، يصبح في الإمكان تفهّم سرّ براغماتيّة الموقف الذي عبّر عنه الرئيس فلاديمير بوتين لدى التطرّق إلى ما أسفرت عنه نتائج الانتخابات الأميركيّة الأخيرة، وخصوصًا عندما رحّب بشكلٍ مبطّنٍ بما كان ترامب قد أدلى به من تصريحاتٍ بشأن اعتزامه العمل على رأب الصدع في العلاقات الأميركيّة – الروسيّة.
ولعلّ أبرز دلالات كلام الرئيس بوتين في هذا السياق، لم تتمثّل في تأكيده على أنّ بلاده ليست مسؤولة عن التدهور الذي أصاب علاقاتها مع الولايات المتّحدة وحسب، وإنّما في إشارته إلى أنّ "من يريد إعادة ترميم هذه العلاقات، فعليه أن يسير على طريقٍ صعب"، تمامًا مثلما هو الحال عليه في طريق دونالد ترامب.
كلامٌ.. وإنْ كان ظاهره يوحي باستعداد روسيا لقطع مشوارها بنزاهةٍ على هذا الطريق، إلّا أنّه يؤكّد في طيّاته أيضًا وقوفها على أهبّة الاستعداد للتعاطي مع أيّة مفاجآتٍ قد ترسمها الأيادي الأميركيّة الخفيّة، على شاكلةٍ مطبّاتٍ في طريق ترامب إلى البيت الأبيض، سواءٌ في البحر الأبيض المتوسّط أم في البحر الأسود أم في بحر البلطيق، حيث احتمالات المواجهة بين الطرفين تبدو أقرب إلى الواقع منها إلى الخيال.
وما بين البحر والبحر، لا شكّ في أنّ ثمّة تداعياتٍ كثيرةً ستخضع منذ اليوم ولغاية كانون الثاني المقبل لمزاجيّة الكرّ والفرّ، والمدّ والجزر.. وفي انتظار ذلك الشهر، لا بدّ من أن يُبقي العالم يده على قلبه، تمامًا مثلما لا بدّ له وأن يُبقي أصابعه على الزناد، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ أهون الشرّين في الحالة الأميركيّة الراهنة، داخليًّا وخارجيًّا، ووفقًا لما تقدّم، هو صعبٌ جدًّا، وبامتياز.. وما على الأيدي الأميركيّة الخفيّة سوى أخذُ العبرة، والامتثالُ بما اقترفوه من ذنوبٍ طُمرت تحت أنقاض برجيْ مركز التجارة العالميّ في نيويورك عام 2001... واليقين!
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)