لم يتسلل النعاس إلى جفون مساعدي الرئيسين سعد الحريري ونبيه بري إلا متأخرًا ليل أمس ، فما أن انتهى اجتماعهما المطول في عين التينة واستكمل النقاش إلى مائدة عشاء، حتى عكف الرجلان للإجتماع، كل مع فريق عمله ووضعه في أجواء الجلسة "التأليفية" المطولة، ومن ثم اشتعلت اﻻتصالات في كل اﻻتجاهات المستفسرة والمستطلعة لما دار فيه.
ووفق ما تسرب من الدائرة المحيطة بالرئيس المكلف أن أجواء إيجابية ومنفتحة ترافق اﻻتصالات الحاصلة لتشكيل الحكومة على رغم حجم التباينات الكبيرة، وهذا أمر بديهي عند تشكيل أي حكومة في لبنان. وعلى ذمة هؤلاء فإن النقاش في عين التينة يعمل على فتح قنوات التفاوض الفعلي في مجمل المطالب بعدما أسقط منطق "الفيتوات" أو الكيدية التي كانت سائدة اﻻسبوع الماضي قبل المضي قدمًا نحو البحث الفعلي في الحقائب الوزارية و توزيعها.
في هذا اﻻطار، ثمة من يؤكد أن الحريري وقبل اﻻجتماع مع بري لم يتبلغ مقترحات ملموسة، خارج إطار مطالب الكتل خلال اﻻستشارات النيابية، والتي يستلزم التجاوب معها تأليف حكومة من نحو 70 وزيرًا وأكثر، فيما اﻻولوية الملحة هي البحث في حصص الرؤساء وسبل تبادل الحقائب في ما بينهم. فرئيس الجمهورية العماد ميشال عون يتمسك بتسمية أربعة وزراء من الطوائف اﻻساسية، واﻻطراف اﻻخرى ﻻ تعارضه بالمبدأ، ولكن الحريري يطالب بمقعدين مسيحيين مقابل المقعد السني، فيما يبتعد الرئيس بري عن هذا الطرح ويتمسك بالمالية و بالمداورة بين الحقائب السيادية، و بإشراك جميع القوى طالما أن مهمة الحكومة الوحيدة هي إجراء اﻻنتخابات النيابية بعد اﻻتفاق على قانون إنتخاب عصري.
ويعترف فريق عمل الحريري بأن بري باشر بإخراج أرانب سحره منذ اﻻمس عبر السؤال عن معنى حجز حقيبة سيادية لوزير محظوظ ثم المطالبة بمبدأ المداورة، و بطرح مستجد مفاده رفع شعار فتح باب المشاركة أمام الجميع طالما أن عون طرح شعار "العهد الجامع"، بما في ذلك حفظ حق التمثيل للكتائب و"المردة" و عدم إلزام سائر اﻻطراف الاخرى بتفاهمات جرى إبراهما في سياق اﻻنتخبات الرئاسية.
في المقابل هناك من يرى أن بري كما الحريري وأطراف أخرى تحاول اﻻستدراك بإشراك لكتائب و"المردة" خوفًا من محاولة إستئثار سياسي بالتمثيل المسيحي وحصره بين "القوات" و"التيار" وفق منطق تمثيل الـ 86 % وتهدف ليس إلى مصادرة الحقائب فحسب بل بترجمتها في المستقبل على طاولة مجلس الوزراء وإستبدال شعار " الثلث المعطل بشعار باسيل "الميثاقية" خصوصا عند مناقشة قانون اﻻنتخابات العتيد.
وفي هذا السياق، ثمة مفارقة في تشكيل الحكومة تتمثل بإنقلاب اﻻدوار. فبعدما كان يجري سابقًا إشهار سيف تعطيل التشكيل وخوض المعارك ﻻنتزاع الحقائب والحصص ، بات الوزير باسيل يركض في كل اﻻتجاهات لتذليل العقد ﻻجل الاسراع بتشكيل الحكومة، في حين أن أطرافًا أخرى في الحكم ﻻ تبدو مستعجلة، بل هناك من بات يستبدل موعد ما قبل اﻻستقلال بعيد الميلاد، إلا أذا أراد أحد اﻻطراف التنازل وتسهيل ولادة الحكومة خلال أيام معدودة، بعد حسم المكون المسيحي خياراته.