منذ أن انفجرت أزمة النفايات، وما رافقها من تخبّط رسمي في معالجة الكارثة التي تخطّت نطاق بيروت لتشمل كل لبنان، والمواطن اللبناني يدفع الأثمان الباهضة من صحته. منذ ذلك الحين تحوّل لبنان إلى مطمر كبير ومحرقة دائمة، وبات يحوي عشرات لا بل مئات الفروع من المطامر العشوائية المنتشرة في طول بلاد الأرز وعرضها، حتّى لا تكاد تمر ببلدة لبنانية إلّا وتستقبلك الروائح الكريهة المنبعثة من وديانها وجبالها، التي تدفن مكرهة مئات الأطنان من السموم القذرة، تتسرّب في نهاية المطاف إلى باطن الأرض وتلوث المياه الجوفية. هذه الحال دفعت أصحاب العقول النيّرة إلى ابتكار حلول ومبادرات فردية، العديد منها انطلق من مقاربات بيئية صرف، تنوعت بين انتاج الطاقة الكهربائية والأسمدة الزراعية واعلاف الحيوانات، وكلها أُعدمت على مشرحة المصالح والغنائم السياسية.
من هذه الأفكار، ابتكارٌ هو الأول من نوعه في العالم، بتوقيع المهندس اللبناني مروان خليفة، الذي ينتظر ولادة الحكومة ليعرض مشروعه على المعنيين في الحكومة العتيدة.
ما هو مشروع خليفة وهل يقدم حلاً جذرياً لأخطر الأزمات البيئية؟
خليفة انطلق من أنّ لبنان بلد صغير المساحة، لا يستوعب مطامر أو محارق على أرضه ، ستكون بطبيعة الحال قريبة من المناطق المأهولة وستسبب كوارث صحية على المدى المتوسط أوالبعيد، كما أنّها ستقضم من مساحة الأراضي الصالحة لإقامة مشاريع حيوية، انطلاقاً من وجوب عدم التفريط بشبر واحد من مساحة لبنان، ابتكر المهندس خليفة مشروعه " platform " ، يقترح من خلاله حلاً مستداماً لأزمة النفايات، عبر معالجة النفايات على منصّة حديدة متطورة تُقام في المياه الإقليمية اللبنانية على بعد عشرين كيلو متر من الشاطىء، وعلى هذه المنصّة تتمّ عملية الفرز بآلآت متطورة، وكلّ المواد العضوية غير الضارة تُرمى في البحر، لتشكل طعاماً للأسماك .
ولكن هذه المواد لا تُرمى بشكل عشوائي، أوضح خليفة عبر "لبنان 24 "، "بل ضمن حزام عائم، تتحلّل قبل أن تتشتت، أمّا المواد العضوية التي قدّ تكون ضارّة وغير صالحة كطعام ٍ للأسماك، يتمّ الكشف عليها من خلال سكانر، وإذا ثبُت أنّها فعلاً ضارّة، يتمّ حرقها من خلال تقنية تحويل المواد العضوية الى غاز، حيث يتمّ إدخال هذه المواد داخل مولد كهربائي موجود على المنصة الحديدية نفسها، وعن طريق الحرارة المرتفعة، تتحلّل هذه الجزيئيات وتتفكك دون أن تحترق، وتُحول إلى غاز، يُستفاد منه في توليد الطاقة الكهربائية، وبالتالي لا تُسبب تقنية الحرق هذه دخاناً ولا تخلف رماداً".
خليفة يصف فكرته بالمبتكرة والجريئة كونها الأولى من نوعها في العالم، بحيث لفتت نظر شركة كندية "اقتراحنا بيئي 100 بالمئة، وتطبيقه لا يلوّث أي من البحر أو الهواء أو الأرض".
خليفة الذي ابتكر هذه الفكرة عرضها على مجموعة من المهندسين من زملائه، وعملوا سويّاً على تطويرها، بما يأمن تثبيت هذه المنصة في البحر ومقاومتها للعواصف، وتوزيع الآلآت التي ستحملها بشكل منظّم، بحيث توزّع العمل بين فريق المهندسين وشمل التأكّد من السلامة العامة، وعدم التسبّب بضرر للحياة البحرية، وعدم مخالفة قوانين البحار.
ولكن الأهم في هذا المشروع يضيف خليفة، هو الدقة والجدية في عملية الفرز، بمعايير واضحة ودقيقة، لضمان أن لا يتمّ رمي أي مواد في البحر سوى المواد العضوية الصالحة للأسماك.
وعن التكلفة المادية لهذا المشروع يقول خليفة أنّها أقل مما يُنفق حالياً في المطامر، بحيث تُصبح كلفة الطمر صفر وتبقى كلفة الفرز، ويتمّ بيع المواد غير العضوية. وعن كلفة نقل النفايات إلى حيث عملية الفرز في البحر يقول خليفة "الكلفة ستكون أقل مقارنة بنقل النفايات من الكرنتينا إلى الناعمة على سبيل المثال، وعندها يمكن نقل مئات الأطنان من النفايات دفعة واحدة، وكون النقل البحري هو أرخص وسيلة شحن على الإطلاق، سنوفّر بهذه الطريقة الأموال التي تُنفق حاليا على النقل ".
الأهم أنّ هذا النموذج "platform " أو المنصة الحديدية لفرز النفايات على مقربة من شاطىء بيروت، عبارة عن مصنع فرز مرن قابل لتوسيع مساحته بطريقة بسيطة، عبر تركيب موديل أو قطع إضافية وتوصيلها مع مثيلاتها وفق المساحة المبتغاة، كما يمكن أن تعمّم لتشمل مناطق أخرى كمدينة طرابلس.
فكرة خليفة قدّ تشكل الحل الشامل والدائم لأزمة النفايات، فقط إذا توافرت الإرادة السياسية لتبنّي حلول جذرية تتخطى مبدأ المحاصصة التي شهدناه على مدى أعوام، لترقى إلى مستوى المصلحة العامة.