في تقييم سريع للمستجدات دوليًا ولبنانيًّا بعد انتخاب دونالد ترامب رئيسًا جديدًا للولايات المتحدة وانتهاء الفراغ الرئاسي في لبنان مع وصول العماد ميشال عون إلى سدّة الرئاسة، يقول السفير الروسي في لبنان ألكسندر زاسبكين لـ"لبنان"24 أنّ الأمور تبدو أفضل حالا اليوم مما كانت عليه في الأمس، وأنّ بلاده "متفائلة ولو بحذر" بالنسبة الى التطورات المرتقبة على المستوى الدولي الذي سوف تواكب عهد ترامب، نظرًا إلى انفتاح هذا الأخير على الرؤية الروسية لمعالجة المسائل الشائكة في العالم وتحديدًا في الشرق الأوسط وفي سوريا، وبالتالي فقد يشكّل عهد ترامب بداية تغيّير واسع النطاق في الادارة الأميركية أولا وفي العالم لاحقًا.
في لبنان، يرى زاسبكين أنّ انتخاب عون جاء نتيجة قرار لبناني بتأييد من الأطراف الخارجية الأساسية المعنية بهذا الاستحقاق، وأنّه يشكّل تطورًا إيجابيًا جداً لطالما طمحت بلاده اليه وشجّعت عليه، معوّلا على قيام حكومة وحدة وطنية على أساس مبدأ الوفاق الوطني لاستقامة فعلية للمسار السياسي. ويضيف في هذا الإطار: "أننا نركّز على تسوية سياسية في لبنان تؤمن الاستقرار ما يساعد على مكافحة الإرهاب"، وفي ذلك أولوية بالنسبة لروسيا.
ويصرّ زاسبكين على ضرورة التركيز على الرؤساء الثلاثة وعلى التعاون بينهم، بدل الإسهاب في الحديث عن رئيس الجمهورية فقط، كما يجب التطلّع الى دور الحكومة المقبلة في تعزيز العمل السياسي وتأمين قواعد اللعبة السياسية، وهذا ما يعنيه بالتسوية السياسية اللبنانية، اذ أدرك الجميع، بمن فيهم دول الإقليم المعنية بالاستحقاق، أن لا خاسر ولا رابح في لبنان مع انتخاب رئيس للجمهورية، لأنّ حقوق الجميع محفوظة في المعادلة على مستوى الرؤساء الثلاثة وكذلك على مستوى الحكومة، وهذا ما سهّل عملية انتخاب الرئيس العتيد في آخر المطاف. ولبنان في النهاية "بلد التوازنات" حيث لا يمكن أن يكون هنالك غالب ومغلوب، ولا مشروع إيراني من هنا ولا آخر سعودي من هناك على حساب الأفرقاء الأخرى.
وينصح زاسبكين بعدم التركيز على أمور الخلاف بين اللبنانيين وخصوصا تلك التي تشكّل أمرًا واقعًا من الصعب تغييره كمشاركة "حزب الله" في الحرب في سوريا، بل العمل على ما يجمع الشعب ويوحّده، وذلك بغية النهوض بالبلاد بعد أكثر من سنتين على رقود سياسي واقتصادي غير مسبوقين. الا أنّ السفير الروسي لا يرى مجالا لقفزة نوعية في لبنان، خصوصا على الصعيد الاقتصادي، الا متى استقرّ الوضع في سوريا على أساس تسوية تنهي الأزمة في البلد المجاور ويكون لها ارتدادات إيجابية في الداخل اللبناني. عندها أيضاً، وفقط عندها، يمكن تأمين عودة النازحين السوريين الى بلادهم، في إطار تسوية شاملة في سوريا تفتح الباب أمام ورشة اعادة إعمار تساهم فيها جميع الأطراف ويكون للبنان حصة وازنة منها.
القضاء على الإرهاب
دوليا، يرى الديبلوماسي الروسي أنّ هناك افتراضات عديدة حول ما يمكن أن يكون لوصول ترامب الى البيت الأبيض من تداعيات على الشرق الأوسط بصورة خاصة، محلّلا من جانبه أنّ هنالك فرصة جيدة للانتقال مع الملياردير الأشقر الى مرحلة جديدة في العلاقات الأميركية- الروسية من جهة، والى إنجاز تغيير ملموس في التعاطي الأميركي مع الشؤون العالمية والإقليمية من جهة أخرى.
وفي هذا الإطار، يقول زاسبكين أن ترامب يدرك تماماً ما هي الأولويات التي يجب معالجتها في المنطقة، وعلى رأسها مكافحة الإرهاب، "وهو يبدو مستعدّاً للتعاون معنا لإنجازها"، كما أنه "يعي ما هي المصلحة الأميركية الحقيقية في العالم وما هي الطرق الصحيحة لخدمة هذه المصالح"، وفي مقدمتها تخفيف الأعباء المالية التي رتّبتها سياسات الإدارات الأميركية منذ أكثر من ربع قرن على الولايات المتحدة، كمشاركتها المكلفة في حلف الناتو وفي الإجراءات الأمنية التي اتخذها هذا الحلف مؤخرا في دول البلطيق تحت حجّة تطويق الخطر التي تشكله روسيا على هذه الدول.
ويتساءل زاسبكين ما معنى انتقاد ترامب على أنّه رجل يصعب التنبّؤ له (unpredictable) سوى أنّه تعبير ضمني عن إرادة اميركية بالإبقاء على سياساتها المعتادة، والتي بالتالي يمكن التنبّؤ لها (predictable) ولتداعياتها، وهي المرتكزة على استمرارية الحروب وتدمير الدول؟
ويشدّد زاسبكين على أهمية إنجاز تقارب بين السياستين الأميركية والروسية في العالم وخصوصا في المنطقة، ما قد يكون ممكنا مع ترامب بحسب ما تجلّى من آراء الرجل السياسية في تصريحاته حتى الآن، انما العبرة تبقى في الأفعال. ولكن كما يبدو، فانّ ترامب "يفهم الأمور مثلنا" ما يفتح الطريق أمام الحلول وفي ذلك فرصة يجب انتهازها.
وللتقارب أميركي- روسي أهمية بالغة خصوصا أنّ هاتين الدولتين لديهما نفوذ واسع وعلاقات مع جميع الآطراف في هذه البقعة من العالم جعلتها، أي هذه الأطراف، تتفاعل مع الأزمات على أساس ارتباطها سواء بواشنطن أو بموسكو، ما زاد الأمور تعقيدا.
وتعقيبًا على هذا الكلام، يلاحظ زاسبكين أنّه في سوريا، تشتدّ المعارك كلما اختلفت وجهات النظر بين الدولتين والعكس صحيح. فكون الادارة الأميركية الحالية لم تتجاوب جديًا مع فكرة تشكيل تحالف واسع لمكافحة الإرهاب التي طرحتها روسيا وعملت من أجلها، قد أدّى الى تدهور ملحوظ في الوضع الميداني. في المقابل، فقد برهن التعامل الأميركي-الروسي فعاليته في إحرازه تقدّما نحو التهدئة والتسوية.
وفي النهاية، يقول السفير أن لا بدّ من حلّ سياسي بالتزامن مع الحلّ العسكري في سوريا، ولو ليس بالنسبة نفسها، أي أنّ التفاوض يجب أن يتقدّم على الميدان، على أن يكون الحلّ النهائي مبنيا على الحفاظ على وحدة سوريا والقضاء على الإرهاب.