بعد طي مرحلة التأليف، التي قد تشهد بعض الأخذ والرد في ساعاتها الأخيرة، تنكبّ الحكومة على صياغة بيانها الوزاري، فتشكّل "لجنة لصوغ مشروع البيان الوزاري"، توكل إليها مهمّة إعداد مسودة البيان بكل جوانبه، ولأنّ الشقّ السياسي هو الأصعب في ظل التباينات والمقاربات المتناقضة لدور المقاومة في الدفاع عن لبنان في وجه اعدائه، لا سبيل أمام اللجنة الوزارية سوى الإستعانة بمعجم السياسة اللبنانية الزاخر بالمفردات وصياغاتها المناسبة لإحتياجات المرحلة، والتي تتضمن الشيء ونقيضه .
هذه المهمّة لن تكون صعبة، ولاسيّما أنّ الحكومات السابقة سبقتها إلى ابتداع تلك الصيغ الخلّاقة ويساعد في ذلك غنى اللغة العربية ومفرداتها الفضفاضة فمن "ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة"، بصرف النظر عن رأي الشعب أو الشعوب اللبنانية، يمكن للحكومة أن تبتكر صياغة أكثر عصرية لتواكب الحروب المستجدة بوجه الأعداء الجدد، الذين برزوا على الساحة الإرهابية وضاعفوا من مهمة "الجيش والشعب والمقاومة". وبوجود خطاب القسم الذي استحق تصفيقاً حاراً من "السياديين" الرافضين إستئثار "حزب الله" بقرار الحرب والسلم وتدخله بحروب الآخرين، وأيضاً تصفيقاً لا يقل حماسة من المقاومين وأبطال "الحروب الإستباقية" ضد الإرهاب والتكفير العابر للحدود والقارات، من هذا الخطاب سيستلهم البيان الوزاري خطوطه الدفاعية بألوانها الفاقعة.
لا يتوقع المواكبون لمرحلة وضع البيان الوزاري أن تشهد كباشاً، وبحسب أكثر من مصدر نيابي، لن يشكّل البيان الوزاري عقدة، سبق للرئيس المكلف أن أعلن عن إنجاز مسودة هذا البيان قبل انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية عندما أطلّ عبر كلام الناس مع الإعلامي مرسال غانم "وضعنا صيغة مشتركة للبيان الوزاري مع رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" وسنلتزم بها". وبحسب المصادر "تتماهى مسودة البيان مع خطاب القسم إلى حد كبير، وكذلك مع الخطاب الذي ألقاه الحريري بمناسبة تبنيه ترشيح العماد عون في بيت الوسط"، وبالتالي فإن الفقرة التي قاربت النظرة إلى المقاومة ودورها في بيان "الحكومة السلامية" ستتكرر مع الإضافات التي تتطلبها المرحلة. فالتأكيد على حق لبنان بانهاء الإحتلال الإسرائيلي لما تبقى من أراضيه المحتلة في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من بلدة الغجر، سيقابله تأكيد مماثل على مواجهة الإرهاب، بحيث يخوض الجيش اللبناني معارك ضد الإرهابيين على الحدود الشمالية.
أما في الجوانب الأخرى المتعلقة بالسياسات الإقتصادية والإجتماعية والبيئية والصحية وغيرها فلا يجب، بحسب مصدر نيابي، أن تكون فضفاضة وواعدة أكثر مما يلزم، حتى لا يُحبط المواطن، خاصة أنّ عمر الحكومة قصير، "البيان المختصر هو الذي يحظى بثقة المواطن، لأنّ العناوين الطموحة غير قابلة للتصديق، ولا بدّ من رؤية اقتصادية لاخراج لبنان من التخبط الاقتصادي والواقع المزري الذي يعيشه المواطن".
ولأنّ الحكومة ستشرف على الإنتخابات النيابية المفترضة في أيار المقبل، من المرجّح أنّ تُضمّن بيانها الوزاري فقرة تتعهد خلالها بإطلاق ورشة لإعداد قانون جديد للإنتخابات، يتناسب وتطلعات اللبنانيين إلى تحقيق تمثيل صحيح وعادل، وتسريع الإجراءات ليكون القانون نافذاً في المهل الدستورية المحددة قبل موعد الإنتخابات. في الشقّ المالي من البيان تبقى الأولوية لإنجاز مشروع الموازنة وإرساله إلى المجلس النيابي. وفي السياسة الخارجية عناوين الإلتزام بالتضامن العربي وقرارات مجلس الأمن من الثوابت والمسلّمات.
أمام اللجنة الوزارية مهلة دستورية من ثلاثين يوماً تبدأ من لحظة صدور مراسيم التأليف. أمّا إذا انتهت المهلة قبل إنجاز البيان فلا ضير في ذلك، لأنّ القاموس نفسه يشتمل على مصطلحات دستورية حيال تفسير المادة 64 من الدستور. فلا نعرف بفضل المعجم العجيب ما إذا كانت مهلة الثلاثين يوماً هي للحث أم للإسقاط، في التفسير الأول تستمر الحكومة في البحث عن صياغة مرضية ولو تجاوزت المهلة، وفي التفسير الثاني أي إسقاط المهلة يوجب إجراء استشارات نيابية لتسمية رئيس جديد للوزراء.