تردّدت كثيرًا قبل أن أكتب هذه السطور، خوفًا من أن تجرفني العاطفة إلى حيث لا أريد، وإلى حيث سيطرة الإنفعالات على العقل والمنطق.
كلام رئيس الجمهورية، وهو اليوم رئيس لكل لبنان لم يعد رئيسًا لتكتل "التغيير والإصلاح، أو هكذا يُفترض أن يكون، وفق منطق الأشياء والمؤسسات، كان في السياسة، وقد أتى ردّ رئيس مجلس النواب في السياسة أيضًا. وهذا يعني أن الرجلين، وهما في قمة المسؤولية، أصبحا يتخاطبان في مستوى ما يؤسس لمستقبل بعيد عن الطائفية وما فيها من مساوىء حفل بها ماضي التقوقع في زواريب التعاطي السلبي بين مكونات الوطن، ما أدّى إلى تمديد ولاية مجلس النواب مرتين متتاليتين، وهذا ما تضمنته كلمة الرئيس ميشال عون في بكركي، وما أدّى ايضًا إلى فراغ في سدّة رئاسة الجمهورية زهاء سنتين ونصف السنة، وهذا ما جاء في ردّ الرئيس نبيه بري، الذي لم يكن يتكلم بصفته رئيسًا لحركة "امل"، بل كونه رئيسًا للسلطة التشريعية.
وبغض النظر عن التفسيرات التي أعطيت لكلام رئيس الجمهورية وللردّ الفوري لرئيس المجلس، ومحاولة البعض أخذ هذا الكلام وذاك الردّ إلى غير مقاصدهما، يمكن من خلال التبصّر في العلاقة التي كانت تجمع الرجلين، وهما من حيث المبدأ من الخطّ السياسي نفسه، أي 8 آذار، الإستنتاج أن المرحلة المقبلة ستكون حبلى بالحيوية السياسية، على قاعدة وضع النقاط على الحروف، وهذا ما يشي بأن عمل المجلس النيابي سيكون محّفزًا لجهة المراقبة والمحاسبة لعمل السلطة التنفيذية، ومن ضمنها مقام رئاسة الجمهورية، إذ نادرًا ما كان تتعرّض مواقف رئيس الجمهورية، أيّا كان، في النصف الأول من عهده، للإنتقاد والتعليق والردّ والردّ المضاد، وغالبًا ما كانت المواقف الرئاسية تتعرض لشتى أنواع الإنتقاد في المرحلة الأخيرة من ولايته.
ما هدف قوله الرئيس بري في ردّه على رئيس الجمهورية، وهو الذي لم يستوٍ بعد على كرسيه الرئاسي، ولم تُشكّل بعد حكومة العهد الأولى، هو أن مرحلة جديدة من الحياة السياسية سيكون فيها التعاطي مع الملفات الكثيرة التي تنتظر حلولًا مختلفًا عن السابق، مع ما يحمله ردّه من مؤشرات لم تلقَ ارتياحًا ظاهرًا في المقلب الآخر، والذي قد تكون له ترجمات عدّة.
من يعرف الرجلين لا يتوقع أن تكون المرحلة الآتية سهلة على مستوى التعاطي الثنائي، إذ أن لكل منهما حيثيته الدستورية والنيابة والشعبية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تعطيلًا لعمل المؤسسات، وهما الحريصان مثل غيرهما، على أن تستند "تقليعة" العهد إلى القوانين والأنظمة وإلى ما يحدّده الدستور من صلاحيات لكل من الرئاستين. فلرئيس الجمهورية دور محوري في الحفاظ على الدستور وحماية الأمة، وهذا وارد في قسمه الدستوري، وأيضًا لرئيس المجلس دور في التشريع وسنّ القوانين وانتظام عمل المؤسسة التشريعية في نطاق ما يُفرض من إحترام لمبدائية فصل السلطات.
أيًا تكن المقاصد فإن الساعات الأخيرة حفلت بتسارع في وتيرة الإتصالات للحؤول دون ما يُحكى همسًا في الكواليس أن لا حكومة وشيكة في المدى المنظور، وأن عمرحكومة تصريف الأعمال سيطول، إلى حدّ ذهاب البعض إلى القول أن حكومة الرئيس تمام سلام استمرت سنتين ونصف من دون رئيس، وأن رئيس الجمهورية باقٍ من دون حكومة لفترة طويلة، وهذا ما يمكن ربطه بـ"الجهاد الأكبر" الذي تحدث عنه الرئيس بري، حتى قبل تكليف الرئيس الحريري تشكيل حكومة العهد الأولى.