إذا كان الرأي قد ظلّ متأرجحًا خلال اليومين الماضيين بخصوص تفسير الأسباب التي دفعت السلطات السويسريّة إلى إرسال مقاتلات الـ "إف 18" العسكريّة لمواكبة إحدى الطائرات المدنيّة التابعة لهيئة الرئاسة الروسيّة، أثناء عبورها في المجال الجوّيّ السويسريّ في طريقها إلى العاصمة البيروفيّة ليما، فإنّ التوضيح الذي صدر في وقتٍ متأخّرٍ من مساء أمس السبت عن وزارة الدفاع في بيرن حول هذه الحادثة، أي بعد مرور أكثر من أربعٍ وعشرينَ ساعةً على وقوعها، وشى بأنّ ثمّة رسائلَ مبطَّنةً أراد الأوروبيّون إيصالها إلى موسكو، عن سابقِ عزمٍ وتصميم، ولا سيّما أنّه اتّسم بلهجةٍ تهكّميّةٍ بدت وكأنّها أشبه ما تكون إلى نكتةٍ ألمانيّةٍ فجّة، الأمر الذي تجلّى من خلال التلميح بأنّ ما قامت به المقاتلات العسكريّة لا يعدو عن كونه "مجرّد إجراءٍ روتينيٍّ يُنفَّذ أكثر من أربعمئةِ مرّةٍ سنويًّا، بغية التدقيق في هويّة الطائرات التابعة للحكومات الأجنبيّة، وذلك على غرار ما تفعله دوريّات الشرطة عادةً عندما تتابع السيّارات في الشوارع لكي تتأكّد من أنّها ليست مسروقة".
هذا التوضيح الساخر بامتياز، وإنْ كان قد جاء في الأصل استجابةً لطلب المتحدّثة باسم الخارجيّة الروسيّة ماريا زاخاروفا، بعدما اعتبرت أنّ أكثر ما أثار قلق ركّاب الطائرة الحكوميّة هو تحليق المقاتلتين السويسريّتين قربهم على مسافةٍ "لا تخلو من الخطورة"، إلّا أنّ سذاجته وسماجته وإيحاءاته في آنٍ معًا، لا بدّ وأن تنمّ عن وجود نوايا مبيّتةٍ ومجهولةٍ تقف وراء افتعال الحادث من أساسه، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ الطائرة الروسيّة من طراز "إيل 96"، كانت تقلّ على متنها رئيس الهيئة الفيديراليّة للتعاون العسكريّ التقنيّ ألكسندر فومين، إضافةً إلى عددٍ من المسؤولين في إدارة الرئيس فلاديمير بوتين، ومجموعةٍ آخرى من الصحافيّين، وذلك أثناء توجّههم نهار الجمعة إلى ليما، قبيل افتتاح فعاليّات قمّة مجموعة بلدان آسيا والمحيط الهادىء (أبيك) التي بدأت البارحة وتنتهي اليوم.
ولعلّ ما يعزّز هذا الاعتقاد، لا يتمثّل في مسارعة فومين إلى وصف الحادث بأنّه "إجراءٌ غير نظاميٍّ" وحسب، بل لأنّ الطائرة التي يستقلّها سرعان ما هبطت في مطار العاصمة البرتغاليّة لشبونة من أجل التزوّد بالوقود، قبل أن يُكشَف النقاب لاحقًا عن إصابتها بعطلٍ فنّيٍّ، الأمر الذي خلّف وراءه الكثير من علامات الاستفهام، وحال بالتالي دون وصول الوفد الروسيّ إلى قمّة الـ "أبيك" في ليما يوم افتتاح فعاليّاتها، أي نهار أمس السبت، وذلك ريثما انتهى العمل على حلّ هذه الإشكاليّة عن طريق إرسال طائرتين بديلتين لنقل الركّاب من البرتغال إلى بيرو، ومن ثمّ تأمين قطع الغيار اللازمة من موسكو للطائرة المعَطَّلة!
وإذا كان الرئيس فلاديمير بوتين قد وصل إلى ليما في الموعد المحدَّد لافتتاح القمّة على متن طائرته الخاصّة، فإنّ اللافت على إيقاع خطواته الثابتة على الأرض البيروفيّة هو أنّها تزامنت مع التصريحات التي أطلقها ألكسندر فومين من لشبونة لكي تزيد تلك الخطوات ثباتًا، وخصوصًا عندما أكّد على أنّ روسيا والصين تعملان على إبرام صفقةٍ لإمداد بكين بـطائراتٍ من نوع "سوخوي 35"، والأهمّ من ذلك هو أنّ مسألة توريد أنظمة "إس 400" الصاروخيّة للدفاع الجوّيّ إلى تركيا ستناقَش خلال اجتماع اللجنة الحكوميّة المشتركة الذي سيُعقَد في وقتٍ قريب، علاوةً على أنّ بلاده تعتزم توريد الأنظمة ذاتها إلى الصين والهند، باعتبارهما شريكيْها الاستراتيجيّيْن، بحسب ما أعلنه نائب رئيس الوزراء الروسيّ ديميتري روغوزين في وقتٍ سابق.
إعلانٌ.. إذا ما أضفنا إليه نجاح تجربة اختبار صاروخ "أوبجيكت 4202" الأسرع من الصوت، والذي وصفته شركة الصواريخ التكتيكيّة الروسيّة بأنّه سيجعل قنابل هيروشيما الذرّيّة تبدو مثل "بنادق الأطفال"، فإنّه في المحصّلة النهائيّة لا بدّ وأن يثير الريبة والامتعاض والذعر في أوساط دوائر حلف شماليّ الأطلسيّ في بروكسيل، المرتابة والممتعضة والمذعورة أصلًا جرّاء نتائج الانتخابات الأميركيّة الأخيرة، وما يمكن أن تحمله ثنائيّة بوتين – ترامب من تداعياتٍ سلبيّةٍ على مستقبلها، الأمر الذي سرعان ما تجلّى بوضوحٍ عندما أدلى الأمين العامّ للحلف ينس ستولتنبيرغ بدلوه، قائلًا إنّ "الحوار مع روسيا يحظى بأهمّيّةٍ كبيرةٍ في ظلّ وجود تحدّياتٍ أمنيّةٍ وتوتّرٍ سياسيٍّ وعسكريٍّ"، وبعدما كان الرئيس بوتين قد استبق وصوله إلى ليما بالإشارة إلى أنّ الصاروخ الجديد قادرٌ على بلوغ المملكة المتّحدة في غضون ثلاث عشرة دقيقة فقط، وبالتأكيد على أنّ الأنظمة الأميركيّة المضادّة للصواريخ المتوافرة حاليًّا لا يمكنها استشعاره، فضلًا عن أنّ سرعته تجعل من المستحيل اعتراضه.
على هذا الأساس، وبغضّ النظر عن الغموض الذي لا يزال يكتنف سرّ حادثة نهار أوّل من أمس الجمعة في الأجواء السويسريّة، فإنّ ما يبدو واضحًا هو أنّ ثمّة مقامرين دوليّين، أغلب الظنّ أنّهم أميركيّون وأوروبيّون ، أرادوا العبث بما تبقّى بحوزتهم من رصيدٍ أخيرٍ على طاولة الرهان ضدّ روسيا، فإذا بهم يقامرون ضدّ بعضهم البعض ويخسرون، ولا سيّما أنّ التاريخ المعاصر سجَّل لروسيا أنّها لا تلعب "البوكر" أبدًا، وإنّما "الشطرنج"، حيث النقلاتُ نوعيّةٌ بامتياز، وما نقلةُ "كشّ أوباما.. كشّ كلينتون" إلّا خير دليلٍ على ذلك.. وللحديث عن الكازينو السويسريّ في هذا المضمار تتمّة!
(جمال دملج - كاتب متخصص في الشؤون الروسية)