قبل أن تتأزم، وقبل كلام الرئيس ميشال عون من بكركي وردّ الرئيس نبيه بري، كانت الأجواء توحي بأن الحكومة العتيدة ستبصر النور قبل ذكرى الإستقلال، مع ما رافقها من مساعٍ لحلحلة بعض العقد، التي لم يرَ طباخو التشكيلة الوزارية أنها يُمكن أن تكون عقبة في وجه إعلان قيام حكومة العهد الأولى، وهي آتية لمهمة أساسية، وهي تأمين المناخات الملائمة لإجراء الإنتخابات النيابية في موعدها المحدّد، مع إمكانية تأجيلها ستة أشهر، لأسباب تقنية، خصوصًا إذا تمّ التوافق على قانون جديد، تكون النسبية جزءًا مكمّلًا لتمثيل صحيح لمختلف شرائح المجتمع، مع ما يتطلبه هذا الأمر من إجراءات عملانية تفرض التأجيل، وذلك ليتسنى للجميع إمكانية مواكبة هذه الإنتخابات لوجستيًا وتحضيرًا للناخبين وللجان القيد والمندوبين.
إلاّ أن ما كشفته مواقف الأيام الأخيرة ُيظهر بما لا يحمل اللبس والتأويل والتفسير أن المسألة تتخطى تشكيل الحكومة، وإن بدا للبعض في فترة معينة أن هذا التشكيل سائر وفق ما هو مرسوم، قياسًا إلى ضرورة إشراك الجميع في حكومة أعطيت سلفًا توصيفات تدّل إلى ما يُمكن أن تكون عليه الأمور، مع إنطلاقة العهد الجديد.
فالبلاد خارجة من فراغ ترك آثاره السلبية على الحياة السياسية، وأرخى بظلاله على عمل المؤسسات، التي تسلل إليها الفساد بما لا يُمكن تصّور حجمه وتأثيره على أداء عمل الإدارات استسلهت تقاذف كرة المسؤولية متلطية وراء هذا الفراغ، الذي يصعب الخروج من نتائجه السلبية بكبسة زر، لأن ما وراء الأكمة ما وراءها من نوايا مبيتة من شأنها أن تفرض على العهد الجديد نمطية لا تتوافق مع إرادة التغيير، وتجعله أسير شعارات لا تلقى ترجمة عملية على أرض الواقع.
فلو كانت الإرادة المشتركة موجودة من أجل الدفع في إتجاه تقوية المؤسسات، التي يجب أن تكون فوق أي إعتبار آخر، لكانت الحكومة الموعودة قد أبصرت النور منذ اسبوع تقريبًا، ولكن الوقائع كشفت أن المسألة ليست بهذه البساطة وبهذه السهولة، إذ برزت على سطح الوقائع معطيات تعود في الأساس إلى هشاشة التركيبة السياسية، التي لا تستقيم إن لم تكن كل مقومات شرائح المجتمع، بما فيها من تعقيدات طائفية ومناطقية وفئوية، مشاركة في القرار الوطني على مستوى تحديد الأجوبة الشافية والنهائية عن سؤال مهمّ ألا وهو "اي لبنان نريد"، في ظل التجاذبات القائمة على الساحة الداخلية والمتداخلة فيها التأثيرات الخارجية مع المعطيات المحلية، وبالأخصّ في ما له علاقة مباشرة بأزمة المنطقة، التي لم تبدُ بشائر تسويتها متيّيسرة في المدى المنظور، وستبقى تداعياتها تؤّثر على قرار إخراج لبنان من عنق الزجاجة حتى إشعار آخر، فضلًا عما يُمكن أن تؤدي إليه تصفية الحسابات القديمة من فرملة إنطلاقة سريعة لعهد وُضعت عليه آمال عريضة، وقد تكون مسألة وضع العصي في دواليب الحكومة العتيدة أول الغيث لما يُحتمل أن تحمله الأيام الطالعة من حفلة كباش وعضّ على الأصابع.