لم تأت مواقف العماد ميشال عون بالأمس بأي شيء جديد أو بقفزة استثنائية في مساره السياسي. الجديد كان في السكون الذي سجلته معراب على أثر الخطاب العوني، على خلاف ما اعتاد عليه سمير جعجع منذ سنوات حيث كان يعمد تلقائياً الى الرد بشكل مباشر على الجنرال مفنداً كل عناوينه.
ولكن بعد ورقة التفاهم بينهما سيتغير الوضع، وهذا ما سجله يوم أمس، حيث سيستقيل الرجلان من مهمة "الهجوم بالوكالة" عن حلفائهما للرد على بعضهما البعض. وهذا يفترض أنه واحد من بنود "إعلان النوايا" غير المكتوبة.
اذ لم يسترح ابراهيم كنعان وملحم رياشي بعد من مشوار "الألف طلعة ونزلة" التي سجّلاها في طريق صياغتهما لورقة "النيات". يحفظاها عن ظهر قلب ويعرفان جيداً أين هي مفاتيحها وما هو الحشو الكلامي الذي اضيف اليها لنفخها.
يقولان بصريح العبارة أمام السائلين إن "أهمية الإعلان ليس في صياغته وإنما في مبدأ احترام الاختلاف. ومن يمعن النظر في سطور الورقة وما بين تعابيرها يدرك جيداً أن الإعلان المنتظر منذ أشهر لم يسجل أي تقدم أو تغيير في مواقف الفريقين أو في موقعهما التحالفي أي الأستراتيجي".
لا يزال كل منهما في اصطفافه ولا يبدي أي استعداد للتقدم خطوة الى الأمام أو للوراء. أصلاً لم يكن في نية "التيار الوطني الحر" أو "القوات" التحجج بهذا التقارب، واستطرادا بالتفاهم، للخروج من خندقه، ولا كان في بال أي منهما احداث انقلاب في مواقفه وفي خياراته.
كانت الحسابات مختلفة جداً عن هذه المقاربة. بالطبع كان الاندفاع الأساسي لهذا التقارب هو الرغبة التي أبداها الرأي العام المسيحي والذي عبرت عنه استطلاعات الرأي التي أجريت من جانب الفريقين، حيث أبدت غالبية المستطلعين تأييدها لهذه المحاولة، التي لم يجرأ أحد على القيام بها منذ أكثر من ثلاثين عاماً، ومن حاول خجولاً أصيب بانتكاسة سريعة.
يجزم كل من تابع هذا الحوار بدقة، إنّ الحسابات الرئاسية هي التي أملت على ميشال عون السير بهذا المشروع، بينما سعى سمير جعجع الى تبيض صفحته عند المسيحيين وتقديم نفسه على أنه الرقم 2 في ترتيب القوى، وهذا ما حمسه على استكمال المسار الذي رسمه رياشي.
هكذا يعتقد كثر أنّ سيد معراب هو الرابح من الجولة الأولى في الحوار، الى جانب طبعاً المناخ المسيحي الذي يفترض أنه سيرتاح نتيجة التخفيف من ضغط التشنج الاعلامي بين الفريقين.. إلا إذا قرر طرفا الورقة تفعيلها وتطويرها الى تفاهم انتخابي على سبيل المثال. فذلك حديث آخر.
ولكن هذا لا يعني أنّ المهمة انتهت عند هذا الحد. وفق المعنيين فإنّ الجهد سيستكمل بينهما لحماية الورقة من خلال حلقات نقاش موسعة بين القواعد في المناطق لشرحها وتوضيح نقاطها وأبعادها، وذلك في سبيل تعميم مناخ التهدئة والتواصل كي لا يكون محصوراً على مستوى القيادات فقط.
كما أنّ العمل سيتركز على نقاط الإلتقاء بين الفريقين بعدما جرى الإتفاق على تحييد نقاط الخلاف بينهما لأن المطلوب هو ادخال مفهوم الشراكة حتى لو ضمن بيئة خلافية. إلا أنّ هذا الهامش لا يزال ضيقاً ويكاد يقتصر على سبيل المثال على بعض مشاريع القوانين ولا سيما أنّ الفريقين اتفقا على تشريع الضرورة لا أكثر.
ولكن هذا لا يعني ابداً أن هذا الإلتقاء محدود جداً، إذ يقول أحد المتابعين أن ما لا يكتب في الورقة هو أهم من بنودها المرئية ليؤكد أنّ هناك نقاط غير مدونة في التفاهم تقوم على اساس "التواطؤ" الايجابي بين الفريقين، ستظهر مفاعليها مع الوقت تبعاً لما تقتضيه الظروف.
("لبنان 24")