كان الشاب النحيل يقبع منذ الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر في قفص الإتهام، يستند بكنزته الصوفيّة الحمراء على الحائط ويمسك بكفّيّ يديه ويشدّ عليهما.. بقي على هذا المنوال لأكثر من ساعة ونصف قبل أن يُناديه رئيس المحكمة العسكريّة العميد حسين عبدالله، فيفتح له العسكريّ القفص ويخرج منه ليقترب من المذياع المثبّت في مقدّمة القاعة.
كلّ الأسئلة التي دارت في خاطر من كان جالساً في تلك القاعة عن جرم الشاب القابض على كفّيه ونظرات الخوف بادية في عينيه، سرعان ما أجاب عنها المتهم نفسه بعد قراءة الجرم المنسوب إليه: "الإنتماء إلى جبهة النصرة ومحاولة القيام بعميلة إنتحاريّة".
"ضربوني عراسي.. هِنّ ضربوني وخطفوني وعذّبوني".. هكذا افتتح "حمودي" إفادته أمام المحكمة. ولدى استعلام العميد عن الجهة التي خطفته قال: "أنا ما بعرف.. ضربوني 6 أيام وكبّوا سبيرتو عراسي وأحضروا أخوتي وضربوهم أمامي وقالوا لي إنت إرهابي".
يزداد خوف ابن العشرين عاماً شيئاً فشيئاً، ليطلب منه رئيس المحكمة أن يهدأ ويفك "شبك كفيه" عن بعضهما، فيأبى الشاب أن يفعل: "أنا موتّر وراسي عم يوجعني ورح إحكي كل شي بس ما تعملو فيّ متل ما عملو هونيك.. ما تضربوني".
طمأن العميد عبدالله المستجوب، وطلب من العناصر المولجة حماية القاعة أن يحضروا له كرسيّاً ليرتاح عليها طيلة فترة الإستجواب، ثمّ سأله عن معرفته بالسوريين "أبو حذيفة" ومحمّد العباسي، فأجاب: "سأقصّ عليك كل الحكاية، إسمي محمّد.ع - مواليد 1996، من حماه نشأت في لبنان وترعرعت في منطقة البقاع وكنت أترددّ إلى سوريا لتلقي علومي، بعد طلاق والديّ استقرّيت في منطقة جبيل حيث عملت في كاراج لتصليح السيّارات الأميركيّة الصنع. في السنوات الست الأخيرة لم أغادر لبنان ولا مرّة، وعلمت أنّ والدي قد خضع خلالها لعميليتين جراحيتين، فأردت الذهاب إلى سوريا للإطئنان عليه إلّا أنّه ولكوني مطلوباً للتجنيد الإجباري خشيت أن يتمّ توقيفي. سمعت حينها عن إمكانيّة دخولي الأراضي التركيّة ومنها إلى سوريا وبسؤالي عن التكلفة وجدتها باهظة جدّاً (1200 دولار) في حين أنّ أجري الأسبوعي لا يتجاوزالـ 150 دولاراً أنفقه عادة على شرب الخمر وشراء الملابس".
في تلك الفترة، أي في النصف الأوّل من العام الجاري، تعرّف "محمّد" أو "حمودي"، كما يناديه أصدقاؤه وأهله كونه "صغير العيلة"، عبر "الواتساب" على فتاة إسمها "ريو"، إكتشف لاحقاً أنّها شاب يُدعى محمّد العبّاس فتوطّدت صداقتهما إلى أن وضع "حمودي" صورة "بروفايل" له على تلك الخدمة وهو يشرب مشروب الطاقة الممزوج بالفودكا ومستلقٍ على شاطئ البحر، ما أثار حفيظة العبّاس وصار يؤنّبه على ما يفعله ويتهمه بالكفر.
وبسؤاله عمّا إذا ما كان العبّاس طلب منه الإلتحاق بـ"النصرة" وتنفيذ عملية انتحاريّة في سوريا، مستغلّاً وضعه النفسي وتوقه لرؤية والده، نفى الأمر وأوضح أنّه خرج في حياته مع الكثير من الفتيات، مشيراً إلى أنّ العباس أعطاه رقم شخص ملقّب "أبو شادي" ليسهّل له مهمّة وصوله إلى حماه مقابل 200 دولار، وقد طلب منه الأخير الإتصال به فور وصوله إلى عرسال، لكنّه عاد وتلقى اتصالاً من العبّاس يخبره أن رحلته إلى حماه فيها من المخاطر ما سيضطره إلى حمل السلاح أو إطلاق النار، فعدل عن رأيه فوراً.
وبسؤاله عن محادثته مع مواطنته "مديحة"، وهي فتاة تعرّف عليها بواسطة الفايسبوك وإخبارها عن أنّ شقيقه "أحمد" يتنمي إلى النصرة وأنّه سيلتحق به للجهاد؟ نفى المتهم الأمر وأكّد أنّ شقيقه يخدم في الجيش السوري النظامي ومازال، مضيفاً: "أنا كنت أحدّث مديحة بأموري الشخصيّة وقد أهديتها نرجيلة كهربائيّة أهدتني إياها سابقاً حبيبتي التي خانتني. وهنا أجهش المتهم بالبكاء ليعيد القول: "ضربوني كتير ووقّعت على أمور لم أقرأها.. أقسم بالله أنني ولدت في لبنان ولا أعرف شيئاً عن سوريا، أنا لم أر أمي منذ 5 أشهر، أشعر من دونها أنني ميت وكلّ يوم أراها في المنام".
وقد أمرت المحكمة بتكليف الأمن العام بإيفادها عن حركة دخول وخروج المتهم (أوقف في 19 تموز) الأراضي اللبنانية والسورية بعدما أكّد أنّه كان يجدّد بطاقته عبر الحدود ويعود في اليوم نفسه، فيما طلبت وكيلته المحامية علياء شلحا تكليف طبيب شرعي للكشف على المتهم نظراً لمعاناته من اضطرابات نفسيّة، فتمّ إرجاء الجلسة إلى 23 كانون الثاني المقبل.