لن يكون مشوار حياة الطفلة "إيلّا" سهلاً في بلد هو أصلاً مبتور ومشلول، سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً وطبياً ونقابياً وإستشفائياً وإعلامياً، والأهم إنسانياً، يحق فيه للطبيب أن يخطئ دون أن يحاسب، وللمحامي أن يتجاوز القانون دون أن يُساءَل، وللإعلام أن يُشَّهر دونَ أن يبالي بدرس الوقائع والبحث عن الحل، والنتيجة "لجنة" معروف أساساً ما هي مهمتها وغايتها.
فإيلا، إبنة العام التي شغلت الرأي العام بقضيتها بعد أن أدى "خطأ طبي" إلى بتر أطرافها الأربعة!! تعيش أيامها هذه من دون أن تعرف أنّها وقعت في زنزانة مليئة بالتخبطات، فيما عائلتها تبحث مستنجدةً، عن ضوء ولو ضئيل ينتشلها من عتمة الغد. تجهل إيلّا واقعها الأليم، ففرحتها بإطفاء شمعتها الأولى، فرحة طفلة أبهرتها أضواء اليوم، لكنها ستزعجها في الغد.
من هنا لابدّ من لحظة تعقل، والأجدى بدل تبادل الإتهامات، العمل الجادّ من أجل "إيلّا" لا من أجل إثبات تهمة أو تحصيل براءة. أفلا تستحق إيلّا سباقاً مع الوقت قبل أن تستيقظ غداً على مرّ القدر؟
لو قدّر لهذه الصغيرة الكلام، ما عساها تقول؟ أغلبُ الظن أنها ستعلن غضبها من الجميع، فرداً فرداً، ولصفعت الطبيب ألف صفعة ثم مضت في طريقها لتبحث عن حل. لو قدر لإيلا أن تتكلم لقالت: هلّا وجدتم لي حلاً؟ أصواتكم العالية التي زورت قضيتي ووزعتها بحسب "المصالح العليا" وجعلتني سلعة تجارية تزعجني.. إنتشلوني من زنزانتي وأعيدوا الضوء والأمان إلى حياتي! جدوا لي حلاً.. أو إنصرفوا لأنام".
إيلّا ليست بخير
وفي هذا الصدد، يتحدث والد إيلا حسان طنوس لـ"لبنان 24" بصوت خافت ومكسور ليقول: "يسألونني عن صحة إيلا فلا أدري ماذا أقول لهم، إيلا ليست بخير"، مؤكداً أن "الهدف الأول والأساسي حالياً هو معرفة ماذا حصل بالتحديد لإيلا، ومن المخطئ بحق طفلته الصغيرة، وذلك لتجنيب الأطفال الآخرين الإصابة ذاتها جراء الأخطاء الطبية، ولهذا أنا أتابع قضية إيلا"، يضيف الوالد المفجوع.
وقال طنوس: "مصرون على إكمال مسيرتنا النضالية لمعاقبة المسؤول لانه من المعيب عدم معاقبته، وبالتالي من أخطأ هو من يجب أن يتكفل بمعالجة إيلا"، مشدداً على أن "الكلفة المادية تأتي في المرتبة الثانية ضمن إهتماماتي حالياً لأن "الإتكال على الرب، والهم الأول هو حق إيلا وإعادة لها الحياة التي تضمن عدم معاناتها في المستقبل".
وأضاف: "لهذا السبب سوف نسافر 10 أيام تقريباً إلى فرنسا لنجد حلاً طبياً مناسباً لها"، وختم بحزن عميق: "صحة إيلا ليست جيدة فهي تعاني من أوجاع في الرجل اليمنى.. إيلا سوف تخضع لعمليات عديدة في الفترة الآتية".
مخارج طبية
من ناحيته، يقول رئيس التجمع الطبي الإجتماعي البروفوسور رائف رضا لـ"لبنان 24": "في حالة إيلا "النادرة عالمياً" هناك إحتمالان: الأول هو إعادة وضع الأطراف الإصطناعية، وهذا الإحتمال لا يحتاج إلى عملية جراحية والنتيجة مؤكدة 100% ويتحدد نوع الطرف الصناعي المستخدم بحسب شكل وعمق البتر، لكن المشكلة هي: "إلى أي مدى يمكن لفتاة في مثل هذا عمر إيلا أن تتأقلم مع الأطراف الجديدة"؟
وأوضح أن "العمر يلعب دوراً مهماً، وبالنسبة إلى إيلا فوضع الاطراف جزءاً من الحل ولكنه ليس الحل الأمثل"، شارحاً أن "الأطراف لن تكون طبيعية لذا لن نستطيع أن تمارس حياتها بشكل عادي، مع العلم أنها سوف تساعدها كثيراً في حياتها اليومية"، مضيفاً: "النقطة الأهم أن الأعضاء الأربعة (الاطراف العليا والسفلى) سوف تستبدل لذا الموضوع ليس سهلاً ودقيق جداً".
وبحسب رضا، فإن "الإحتمال الأنجح والأفضل بالنسبة لإيلا ومن خلاله يمكن أن تسترجع الأمل بممارسة حياتها لاحقاً بشكل طبيعي هو زراعة الأعضاء"، لكنّه يضيف: "من المستحيل أن تجرى هذه العملية في لبنان، لأنه لا يوجد إختصاصيين في هذا المجال في لبنان ولا متبرعين"، موضحاً أن "الجراحة هي عبارة عن إعادة اتصال جزء من أجزاء الجسم عن طريق الجراحة وعبر إعادة وصل شريان بشريان وعصب بعصب، لذا إذا تمت العملية بنجاح فإن نتيجتها تكون إيجابية جداً". وختم: تكلفة الجراحة عالية ولكن حالة إيلا تستحق هذا العلاج".
وعن القضية التي شغلت الرأي العام ومدى إمكانية حصول أخطاء طبية في هذا الإطار، قال: "للأمانة العلمية ليس لديّ ملف إيلا للإطلاع على تاريخ الحالة الأساسية، لذا لا يمكن أن أجزم من المسؤول، لكن هذه الحالة هي حالة نادرة جداً في العالم وتعرف بـflash et streptocoque أي "عدم تروية الأطراف العليا والسفلى"، ولا يوجد أعراض محددة لها فالحرارة العالية والإلتهابات أمر طبيعي، لكن كان من المفترض أن يتم طلب صورة للطفلة لأن الحرارة استمرت ولم تنزل".
على كلّ حال، "إيلّا" الطفلة التي استحالت أيقونة نورٍ بوجعها وصبرها وبريق عينيها البريئتين، ستبقى غصة أهلها، وقضيةً لن تنساها أوراق الصحف وذاكرة الرأي العام، وهي في رحلتها الطويلة، تبقيها معاناة حاضرة في كلّ مفصل من مفاصل حياة المعوقين ومبتوري الأطراف في لبنان. فهل تعرف أن مستقبل ذوي الإحتياجات الخاصة وحقوقهم مهدورة في لبنان، وحال لسانها يصرخ: "أمنوا لي علاجاً في بلد متحضر أو أدرجوا حقوقي.. أو إنصرفوا لأنام".