كثيرون لم يصدقوا "غرام العداء" الذي ظهر فجأة بين روسيا وتركيا رغم التحامهما علانية. النوايا السيئة لها ما يبررها مخترقةً المشاهد التمثيلية وتصريحات المحبة بين الثنائي اللدود. فبحسب الرواية غير الرسمية، ومذ وطئ قدما رجل الأمن التركي مولود الطانطاش معرض الصور التابع لبلدية "جانقيا" بأنقرة، والدخول ببطاقة أمنية مع سلاحه، والتمركز خلف السفير، وما نُقل عن تحركات مريبة ما قبل لحظة الاغتيال بثوان. شكوك عدة راودت بعض المحللين حول كون العمل منظماً أو بحده الاقصى استهتار مفتعل، علماً أن تركيا تحفظت على الرواية الاصلية. إذاً، من دون شك هناك ثمن سيُدفع، وإلا قد نذهب الى الشك بأن من اغتال السفير الروسي هي موسكو نفسها، على اعتبار أن الغرام المفاجئ والتسامح ليس من طبيعة سياسات الدول العظمى.
وفي وضع غير مستقر كونياً، هل تمُرّ؟ سياسياً، كل شيء محتمل لكن الظروف والملابسات المحيطة بهذه الجريمة أو الحادثة هي التي تحكم. من هنا ينطلق الخبير في الشؤون الدولية الدكتور سامي نادر في تحليله لما جرى، التي لا بد وأن يكون لها تداعيات كبيرة قد تؤدي الى تحولات عميقة في ما يخص أولويات الصراعات القائمة، خاصة في سوريا بعد انتهاء معركة حلب.
وجدان ثائر
بداية، الحادثة "مؤشر لما يجري بالوجدان السني، وهو أشبه ببحر هائج"، بحسب نادر، الذي يضيف شارحاً أنه "في الوقت الراهن روسيا بحاجة الى تركيا، والأخيرة ايضاً بحاجة الى روسيا بفعل التخبط الاميركي في المرحلة الاخيرة، فالادارة الاميركية تريد تركيا لا أردوغان، لكن بشروط، أي بمعني تريد للسياسة التركية أن تكون تحت إمرتها وأكثر طواعية".
إذاً، نتيجة لهذا السيناريو، فإن تركيا بحاجة الى رافعة للضغط على أميركا لتعديل سياستها تجاهها، ولا ننسى أن أنقرة مكشوفة الظهر بسبب خسارة الرهانات الماضية، من دعم الحركات الاسلامية التي سقطت في مصر وسوريا، الى تضعضع التحالف مع الاميركيين، وبالتالي، هي بحاجة أكثر من أي وقت مضى الى تحالف بديل مع روسيا، التي ستسعى الى استغلال هذا التشرذم الثنائي. من هذه النقطة، الفريقان بحاجة الى بعضهما البعض، ولا شك أن هذه العملية لن تؤثر على العلاقات بينهما، بل على العكس، ستضغط باتجاه مزيد من التقدم وتطوير التعاون، بحسب نادر.
ماذا عن رد الدب الروسي؟ وهل فعلاً الغرام العلني يعكس تسامحاً استثنائياً لطرف ضعيف بعد تذوق لذة الانتصار في حلب، أو عداوة ضمنية ورد قاس لكن في الوقت المناسب؟ هنا، يشير نادر الى أن "الروس وصلوا الى مبتغاهم في حلب وثبتوا وجودهم المستدام بشكل قوي في سوريا ما يعني أنهم الطرف الاقوى في المفاوضات السورية المقبلة، وهو انتصار بحد ذاته، هذا من جهة، كما انه إذا أردنا الحديث عن الرد الروسي فهذا يعني أن روسيا تتهم تركيا، وهذا ليس صحيحاً، وقد ظهر هذا من خلال التصريحات المتبادلة التي عكست مزيدا من التفاهمات وليس العكس، نافياً الفرضية التي تحدثت عنها بعض الجهات عن ضلوع تركيا بالحادثة، معتبراً أنه مجرد "غضب شعبي وهو أحد ظواهر الغضب السني".
حرب عالمية ثالثة؟!
رغم أن حرب الكلام والثرثرة الاعلامية لا تنتج حرباً عالمية، إلا أن كثيرين تنبأوا بحرب عالمية ثالثة بعد حادثة اغتيال السفير الروسي الشبيهة بتفاصيلها بالشرارة التي أطلقت الحرب العالمية الاولى، بحسب ما ذكرت وسائل الاعلام المحلية والغربية، فما رأيك لهذا السيناريو المرعب؟ يسترجع نادر حادثة اسقاط الطائرة في سيناء الروسية ويقول: "هذه الحادثة كان يمكن أن تطلق شرارة الحرب وقتها لأنها مفتعلة، أما الحادثة الاخيرة فـ"تركيا الرسمية" ليست وراء الحادث وبوتين بحسب التصريحات مقتنع أن الهدف من الحادث هو لتخريب العلاقة بينهما، ما يعني أن هذا السيناريو هو بعيد كل البعد عن الواقع".
حالياً، أعادت تركيا تموضعها بشكل كامل في المنطقة بعد أن يئست من الاميركيين بسبب التجارب السابقة من جهة، والاوروربيين الذي أقفلوا الباب بوجهها من جهة أخرى (عدم قبولها كعضو في الاتحاد الاوروبي حتى الساعة)، لتفقد كل رهاناتها على الغرب في سوريا، والسيناريو الأسوأ الذي مرّ عليها، هو أن أردوغان وجد نفسه "بين ليلة وضحاها" بلا شركاء، أو بالأحرى شريكة "على مقياس" أميركا ومتراس ضد الروس فقط لا غير، من دون أن تكون شريكاً أساسياً في التدخل في ازمات الشرق الاوسط. اللحظة الحاسمة للتحول التركي كان "ما بعد الانقلاب العسكري" والتصدع الداخلي الذي شهدته، فكان الاتكاء على الذراع الايراني-الروسي هو السبيل الوحيد، ومن هذا المنطلق ليس غريباً أن نشهد في المرحلة المقبلة تقارباً تركياً - ايرانياً، وقد يكون أكثر فعالية من التقارب الروسي -الايراني.