ليس من السهل أن يمرّ اسم هنري كيسنجر في أروقة السياسة الدوليّة من دون أن يخلّف الأمر وراءه ما يليق بتاريخ عميد الديبلوماسيّة الأميركيّة السابق وحنكته ودهائه من أصداءٍ وتردّدات، ولا سيّما أنّ هذا "الثعلب الأميركيّ العجوز"، أو "العزيز هنري"، وفقًا للمصطلحات التي يحلو للبعض وصفه بها، وإنْ كان قد بلغ من العمر ثلاثةً وتسعينَ عامًا، وعلى رغم مرور قرابةَ أربعةِ عقودٍ من الزمان على تحرّره من قيود منصبه الرسميّ بصفةِ وزيرٍ للخارجيّة في سبعينيّات القرن الماضي خلال عهديّْ كلٍّ من الرئيسين الراحلين ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد، إلّا أنّه ما زال حاضرًا بفاعليّةٍ على المسرح الاستراتيجيّ العالميّ، تمامًا مثلما كان في مرحلة شبابه، ولكن مع فارقٍ وحيدٍ يتمثّل في أنّ نظرته إلى دول المعسكر الاشتراكيّ السابق لم تعد في الوقت الراهن عدائيّة مثلما كانت في الماضي، الأمر الذي غالبًا ما ظلّ يتجلّى بوضوحٍ لدى رصد مسار العلاقات الوطيدة التي تجمعه منذ أكثر من خمسةٍ وعشرين عامًا مع الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين على سبيل المثال، ولا سيّما أنّ الرجلين كانا قد اتّفقا معًا في مجال بناء قناعتهما المشتركة القائمة على اعتبار تفكّك الاتّحاد السوفييتيّ خطوةً غير منطقيّةٍ، وكارثةً جيوبوليتيكيّة، وذلك بسبب ما خلّفته وراءها من تداعياتٍ وأخطارٍ وعواقبَ وخيمةٍ على التوازن الدوليّ.
لا شكّ في أنّ المتابعين للشأن الروسيّ يعرفون أنّ هذه القناعة كانت قد تولّدت في صباح ذلك اليوم البعيد من مطلع تسعينيّات القرن الماضي، عندما رافق فلاديمير بوتين ضيفه هنري كيسنجر في جولةٍ تجاريّةٍ داخل مدينة سان بطرسبورغ، بحكم عمله حينذاك بصفةِ نائبٍ لعمدة المدينة، حيث تعرّفا على بعضهما البعض للمرّة الأولى، قبل أن يبادر الضيف الأميركيّ بسؤال مضيفه الروسيّ عن طبيعة وظائفه السابقة قبل انتقاله إلى منصبه الحاليّ، وذلك في وقتٍ كان فيه بوتين الشابّ يعاني من الحرج في الكشف عن ماضيه الاستخباراتيّ في جهاز أمن الدولة السوفييتيّ، الأمر الذي سرعان ما تبدّد بعدما اضطرّ، وعلى مضضٍ، إلى النزول عند إلحاح ضيفه وفضوله، حيث صارحه بأنّه سبق وأن عمل في الـ "كي جي بي"، وخدم في ألمانيا الشرقيّة أيضًا، فما كان من كيسنجر إلّا أن ردّ عليه بقوله: "وماذا يضيرك في ذلك.. إنّ كلّ المحترمين في العالم بدأوا عملهم في أجهزة المخابرات... وأنا من بينهم."
على هذا الأساس، كان لا بدّ للتقارير الاستخباراتيّة الأوروبيّة التي تحدّثت يوم أمس الثلاثاء عن أنّ كيسنجر يستعدّ للقيام بوساطةٍ تهدف إلى نزع فتيل الحرب الباردة الجديدة بين واشنطن وموسكو من أن تكتسب أهميّة بالغة، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ المتحدّث الرئاسيّ الروسيّ ديمتري بيسكوف سارع إلى وصف هذا الوسيط بأنّه "من أذكى الخبراء، ويظلّ أحد السياسيّين الأكثر حكمة، ويملك خبرةً واسعةً على صعيد العلاقات الروسيّة – الأميركيّة"، لافتًا إلى أنّه "إذا أصبحت هذه المعرفة المتخصّصة والخبرة المتراكمة على مدى عقودٍ مطلوبةً بشكلٍ ما، فليس بوسعنا إلّا الترحيب بها".
وإذا كان كلام بيسكوف قد جاء في معرض التعليق على ما نشرته صحيفة "بيلد" الألمانيّة بشأن اعتزام الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب العمل على رفع العقوبات التي تمّ فرضها على روسيا بسبب تداعيات الأزمة الأوكرانيّة الأخيرة عام 2014، بناءً على توصيّةٍ من كيسنجر، فإنّ هذه الخطوة لا بدّ من أن تشكّل مؤشّرًا واضحًا على جدّيّة الوساطة المطروحة، الأمر الذي من شأنه أن يعزّز فرص نجاحها بالتأكيد، تمامًا مثلما من شأنه أن يُضفي المزيد من الصدقيّة أيضًا على آفاق وأبعاد الغزل الأميركيّ – الروسيّ المتبادَل بين الطرفين في الوقت الحاليّ.
خطواتٌ مدروسة!
معلومٌ أنّ الديبلوماسيّ الأميركيّ المخضرم كان قد اجتمع مع الرئيس بوتين أثناء زيارته الودّيّة والاعتياديّة الأخيرة لموسكو يوم الثالث من شهر شباط الماضي، وهي الزيارة التي لم يكن ليُقدَّر لها أن تثير في حينه ما أثارته من ضجّةٍ إعلاميّةٍ صاخبة، لولا مقاله الجريء الذي نشرته صحيفة "ناشيونال إنترست" لدى عودته إلى واشنطن، وذلك على خلفيّة ما تضمّنه المقال من نصائحَ وتوصياتٍ بضرورة النظر إلى روسيا كعنصرٍ رئيسيٍّ في أيّ توازنٍ عالميٍّ جديدٍ عوضًا عن اعتبارها الخطر الوحيد والمطلق الذي يهدّد الولايات المتّحدة، وتشديده على أنّه في ظلّ تكوّن عالمٍ متعدّدِ الأقطاب، فإنّ من شأن تنسيق الجهود الروسيّة والأميركيّة، وبالتشاور مع الدول الكبرى الأخرى، إيجاد هيكليّةٍ لصياغة الحلول السلميّة في منطقة الشرق الأوسط، وربّما في غيرها من مناطق العالم، بما في ذلك أوكرانيا التي يُفترض أن تتركّز الجهود المبذولة من أجل فضّ أزمتها على ضرورة دمجها في إطار هيكليّة الأمن الدوليّ والأوروبيّ، بحيث تصبح جسرًا يربط بين روسيا والغرب، عوضًا عن أن تكون منطلقًا لهذا الجانب أو ذاك ضدّ الآخر.
وإذا كانت كافّة الشواهد قد دلّت على أنّ الرئيس باراك أوباما لم يأخذ وقتذاك بهذه النصائح والتوصيات لا من قريبٍ ولا من بعيد، فإنّ عودة الحديث عنها مجدَّدًا في ضوء ما نشرته الصحيفة الألمانيّة البارحة، نقلًا عن مصادرَ استخباراتيّةٍ أوروبيّةٍ، ووفقًا لخطواتٍ مدروسة، يشي بأنّ الإدارة الأميركيّة الجديدة جادّةٌ إلى أقصى الدرجات في تخفيف حدّة التوتّر الذي خلّفته السياسات التصادميّة للإدارة السابقة في مجال العلاقات مع موسكو خلال السنوات الثماني الماضية، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ مبادرة كيسنجر الحاليّة تقوم على ضرورة التوصّل إلى إقناع الولايات المتّحدة بالتسليم بأحقيّة روسيا في ممارسة نفوذها على الجمهوريّات السوفييتيّة السابقة من بيلاروسيا وأوكرانيا وجورجيا إلى كازاخستان، بمعنى أن يتمّ وضع حدٍّ نهائيٍّ للتنافس بين الطرفين حول هذه المناطق الحيويّة.
ولكن إلى أيّ مدى يا ترى يمكن أن ينجح "الثعلب العجوز" في حشد تأييد عموم الأميركيّين لوساطته الجديدة؟
سؤالٌ لا شكّ في أنّ الإجابة عليه ما زالت سابقة لأوانها في الوقت الراهن، على رغم أنّ سيرة هذا الرجل تشهد له بأنّه لم يكفّ يومًا عن ترك بصماته الواضحة على التاريخ الأميركيّ الحديث، الواحدة تلو الأخرى، بدءًا من الدور الذي لعبه في إخراج بلاده من مستنقع الحرب الفييتناميّة بالشكل الذي ساهم في المحافظة على ماء وجهها أمام مرآةِ واقعِ ما ارتكبه الجنود الأميركيّون من فظاعات خلال تلك الحرب، مرورًا بحملته المركّزة على الشيوعيّة الدوليّة ونجاحه في دقّ الإسفين الامبرياليّ الشهير عبر اللعب على حبال التناقضات المصلحيّة بين كلٍّ من الرفاق "اللينينيّين" في موسكو و"الماويّين" في بكين، قبل إقناع الولايات المتّحدة بالانفتاح على الصين سعيًا إلى عزل الاتّحاد السوفييتيّ والاستفراد به، ومن ثمّ الانقضاض عليه بالضربة القاضية، ووصولًا إلى تأثيرات حضوره اللافت في تحديد مسارات التوجّهات الأميركيّة التي كان يُفترض أن تتناسق دائمًا مع ما يقتضيه إيقاع الحرب الباردة بين الجبّاريْن من تحرّكاتٍ زئبقيّةٍ في مختلف أنحاء العالم.
ولعلّ الوساطة المرتقبة في هذه الأيّام ليست أكثر أو أقلّ من قيمةٍ فعليّةٍ مضافةٍ إلى هذه السيرة، ولكن ليس لصالح الولايات المتّحدة وحدها هذه المرّة، وإنّما لصالح عالمٍ آمنٍ ومتعدِّد الأقطاب، يمكن أن يتّسع للجميع، وأن يكون للجميع، بعيدًا عن نزعة الأحاديّة الأميركيّة التي كادت أن ترمي العالم مرارًا، من أقصاه إلى أقصاه، في الجحيم!
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)