لم يحمل البيان الوزاري الذي تلاه رئيس الحكومة سعد الحريري أمس أي مفاجأة، بل جاء مطابقا لانتظار مترقّبيه، جامعا ما بين بيان الحكومة السابقة وخطاب قسم الرئيس ميشال عون، ومعبّراً بوضوح عن إرادة جامعة في تفادي النعرات السياسية والمواضيع الحساسة، من المقاومة الى المحكمة الدولية وما بينهما من مواضيع خلاف داخلي وإقليمي، بأفضل سبل التوافق المتاحة، وبلهجة لا تستفزّ أحداً ولو أنّها بذلك فقدت شيئا من عنصر الحسم والإقناع.
بين المختلط ومشروع برّي
ومن ضمن ما وعد به رئيس الحكومة العمل الجدّي على قانون عصري للانتخابات النيابية يأتي على مستوى التطلعات والطموحات ويتناسب والمرحلة الجديدة التي تبدأ مع أولى حكومات العهد. وبحسب مصادر متابعة لهذا الملفّ المتشعّب، فانّ البحث بالقانون العتيد قد قطع أشواطا لا بأس بها، وقد لا يتأخّر إصداره. والقانون الذي يبدو الأنسب والأقرب الى إتمام إجماع سياسي حوله كناية عن صيغة وسطية تجمع بين مشروع القانون المختلط (بين النسبي والأكثري) الذي سبق أن تقدّم به كلّ من حزب "القوات اللبنانية" و"تيار المستقبل" و"الحزب التقدمي الاشتراكي" الى المجلس النيابي، وبين مشروع القانون الذي اقترحه الرئيس نبيه برّي، والذي يعتمد أيضاً مبدأي النسبية والأكثرية، ولو بنسب وتقسيمات مختلفة.
والمأخذ الأساسي على هذين المشروعين هو أنّ النسبية لا يمكن تطبيقها بحسبهما على تقسيمات ثلاث هي بشرّي والبترون وصيدا، حيث يتمّ انتخاب النائبين لكلّ من هذه المناطق على أساس الأكثرية، وهذا ما يرفضه عدد من الأطراف السياسية على أساس أنّ في ذلك إجحاف غير مبرّر في حقّ المقترعين في هذه المناطق واستنساب غير مقبول بالنسبة للمناطق الأخرى. بالتالي، يبدو أنّ الاتجاه العام لحلّ هذه العقدة يكمن في زيادة عدد النواب في هذه التقسيمات الانتخابية من اثنين الى ثلاثة نواب، وتطبيق المعايير نفسها بعدئذ على عملية الانتخاب فيها.
ومن التعقيدات الأخرى التي تواجه القانونين أيضاً عملية توزيع المقاعد النيابية بين النسبي والأكثري، اذ يرى الطرف الشيعي أنّ النسبية تنطبق بنسبة أوسع على نواب هذه الطائفة في مشروع "المختلط" بينما تتحسّس الجهة السنية من الأمر نفسه اتجاه النواب السنة في مشروع الرئيس برّي، ما يبدو أنّه سوف يؤدّي الى دراسة أكثر تعمقا حول كيفية تطبيق كلّ من النسبية والأكثرية في صيغة جديدة تكون مقبولة من الجميع.
هواجس جنبلاط
واذ تبدو المصادر متفائلة حيال الوصول قريبا الى نتيجة نهائية ترضي الأطراف كافة، بما فيه الحزب التقدمي الاشتراكي المتخوف من النسبية على الرغم من كونه أحد الأطراف التي شاركت في تقديم المشروع المختلط، الا أنّ الهواجس المستجدة لدى بعض الجهات في ضوء تحالف الثنائي المسيحي القوي وارتداداته على المعادلة الانتخابية العامة ومن ضمنها الوضع الانتخابي الدرزي يبدو أنها أضعفت حماسة النائب وليد جنبلاط حياله.
وبالرغم من تأكيد المصادر على حلحلة سريعة للعقد العالقة في موضوع الانتخابات وإصدار قانون جديد قريبا، ترجّح هذه الأوساط أن يُصار الى تأجيل وجيز للانتخابات لا يتعدّى الأشهر الثلاثة، ريثما يُصار الى تحضير الأرضية اللازمة لتطبيقه وتحضير الناخبين للاقتراع بموجبه، ما قد يستغرق بعض الوقت ويستدعي بالتالي الى ما بات يعرف "بالتأجيل التقني" حتى نهاية الصيف المقبل.