ساعات وينقضي عامٌ تزاحمت على سِكَكِه الأحداث.. أحداثٌ ملأ بعضَها أو أغلبَها الدمُ والدمار في المنطقة، ليلامسَ بعضُها الخجول الفرحَ البخيل.. هناك حيث الطائرات تزمجر لا مكان للحمام في السماء، إلّا لهدنات الأيّام المعدودة.. وهناك يكاد الفرح يكون خارج عالم "الأحاسيس" التي تبدّلها العوامل التي تهبّ من الداخل والخارج.. عام وينقضي، وحين يصفعُ الجبابرة بعضهم، تنتصر فلسطين "رمزياً".
هو عام "ذُبِحَ" فيه كثيرون، "حُرِق" فيه كثيرون.. عام مات فيه البعضُ تحت الأنقاض، البعضُ دُفن حيّاً، والبعض الآخر ترامت جثثه أشلاءً على طرقات الهرب من الموت أو على مسارب اللجوء.. معاناةٌ فاقت القدرة على التحمّل حتى كفر المؤمن من جوعه، ولعن ظلمة التهجير والتسكعٌ على أرصفة الدول راجين الفتات والخلاص...
كلّ هذا يجري ولبنان يقف على أعتاب النار التي تلفح حدوده المتأرجحة بين الإضطراب والتوتر وقليلٍ من الهدوء.. عام انتظر فيه كثيرون، ونحن أوّلهم، كيف لا ولبنان المثل الأبقى المجلّ لـ"قدسية" الإنتظار..
أكثرُ من ثلاث مئةِ يوم ومثلها في الأعوام الماضية، عاشها اللبناني على وقع خلط الأوراق في السياسة "المستقاة"، مواقف وتصاريح تراقصت "بجنون" على وتر التحالفات وانقلابها.. وتيرة سجالية جديدة خلعت عنها ثوب الهجوم والهجوم المضاد، وإن حافظ كلّ على موقعه، فهادن كلّ من جهته ليلعب الجميع على خشبة "المسرح الكبير"، لينتهي المشهد الأخير بعودة "السيّد" إلى قصره بعدما كاد الفراغ يَشيخُ على كرسيّه جالساً، وأكمل "الممثلون" أدوارهم حتى تناسلت الإنجازات، ووعود الأيّام المقبلة كثيرة، ونحن بالإنتظار...
عام جديد ينقضي ولبنان غارق بعتمته، في سيوله ومستنقعاته مع كلّ خيرٍ آتٍ من السماء.. عام وينقضي ولبنان مازال يبكي جنوده المخطوفين من دون بريق أمل بالعودة القريبة.. عام وينقضي ويبقى لبنان في بؤرة المعادلات "الخشبية" و"الذهبية" و"النحاسية" و"الفضية" وكلّ ما يدخل في فصيلة المعادن الثمين والرخيصة وصولاً إلى "التنك"...
ساعات وينقضي عام والجدل حول قانون الإنتخاب لم ينتهِ بعد، فيما "صحة التمثيل" وعدمه خير مبشّر بعظائم الأمور... واللائحة تطول من مسألة عناصر الدفاع المدني إلى المياومين إلى سلسلة الرتب والرواتب والمعطوف على كلّ ذلك كثير وكثير... وصولأً إلى الفساد المستشري في الإدارات العامة الذي إنْ حُلّت عقدته، فلذلك عظيم الأجر في حلحلة كلّ ما سبق...
ساعات وينقضي عام بأمل دائم في أفضل حال، بعدما عاني اللبناني الشحَّ والظمأ والقلّة والخوف... وفي كلّ مرّة يعاند اللبناني ظرفه يقف من جديد ويمنح ثقته "المفقودة"، على أمل أن لا يعود مهزوماً في المعارك القادمة، فتنكسر جناحا طائر الفينيق ويموت في الأرض بعدما اعتاد التحليق في السماء عزيزاً.