كان يمكن للإدارة الأميركيّة الحاليّة أن تطوي الصفحة الأخيرة من ملفّ سيرتها الذاتيّة في البيت الأبيض بتحقيق إنجازٍ لافتٍ لو أظهرت نواياها الصافية حيال المشاركة في صياغة وإعداد اتّفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في سوريا اعتبارًا من منتصف الليلة الماضية، ولا سيّما أنّ روسيا التي لم يغب عن أدبيّاتها الديبلوماسيّة يومًا مصطلح "شركائنا الأميركيّين" لدى الإشارة إلى الولايات المتّحدة، كانت جادّة في الذهاب بهذه الشراكة إلى أبعد الحدود، وفقًا لأسس عقيدتها السياسيّة القائمة على وجوب العمل من أجل إقامة عالمٍ آمنٍ ومتعدِّدِ الأقطاب، الأمر الذي غالبًا ما دأب "الشريك الأميركيّ" على التعاطي معه بأساليبَ ملتويةٍ وغامضةٍ ومشبوهةٍ في آنٍ معًا، على غرار ما حدث مثلًا يوم السابع عشر من شهر أيلول الماضي، عندما قامت المقاتلات الأميركيّة بقصف مواقع الجيش السوريّ في دير الزور، وذلك في سابقةٍ خطيرةٍ من حيث أهدافها، وغريبةٍ من حيث دلالاتها، وخصوصًا إذا أعدنا إلى الذاكرة أنّها سُجِّلت بعد مرور ثمانيةِ أيّامٍ فقط على إبرام اتّفاق كيري – لافروف الخاصّ بإنشاء "مركز التنفيذ المشترك" الذي كان يُفترض أن يُنجِز وقتذاك عمليّة الفصل ما بين "المعارضة المعتدلة" وما بين التنظيمات الإرهابيّة فوق الأراضي السوريّة، قبل أن يبوء بالفشل على خلفيّة أزمة الثقة التي خيّمت على أجواء الطرفين جرّاء سوء النوايا الأميركيّة تجاه الالتزام بآليّات التطبيق.
على هذا الأساس، جاءت خطوة استبعاد "الشريك الأميركيّ" عن الجهود التي أدّت إلى وضع اتّفاق الليلة الماضية بمثابة "تحصيلِ حاصلٍ" لما زرعته إدارة الرئيس باراك أوباما في الحقل السوريّ وعاد عليها بمواسمَ كاسدة، ولا سيّما أنّ أزمة الثقة لم تعُد محصورةً ضمن نطاق العلاقات الثنائيّة الروسيّة – الأميركيّة وحسب، بل طالت أيضًا العلاقات بين أنقرة وواشنطن من جهة، وبين طهران وواشنطن من جهةٍ أخرى، بمعنى أنّ الدول الثلاث الأكثر تأثيرًا في الوقت الراهن في الملفّ السوريّ فقدت ثقتها كاملةً بالإدارة الأميركيّة الحاليّة، علمًا أنّ هذا الأمر يمكن أن يفسَّر على أنّه حالةٌ صحّيّةٌ ودليلُ عافيةٍ، طالما أنّ هذه الإدارة ستبقى بعيدةً خلال الأسابيع الثلاثة المتبقّية من عمرها عن المجال الحيويّ للتأثير في التسوية السوريّة المرتقَبة وعن اللعب على حبال توازناتها.
وإذا كان العنوان العريض الأكثر دقّة في وصف ما يجول في خاطر الرئيس أوباما في الوقت الحاليّ يمكن أن يُختصَر بكلمةٍ واحدةٍ هي: "الخيبة"، فإنّ طريقة ردّه على استبعاد إدارته عن مدارات الإنجازات التي تتحقّق للتوّ في سوريا، بقوّةِ دفعٍ روسيّةٍ – تركيّةٍ – إيرانيّةٍ، كشفت بدورها عن حجم تلك الخيبة ومدى تأثيرها على سلوكه، ولا سيّما أنّ إقدامه البارحة على فرض حزمةٍ جديدةٍ من العقوبات ضدّ موسكو، على خلفيّة الاتّهامات المشكوك في صحّتها أصلًا بشأن قيامها بـ "قرصنة" الانتخابات الأميركيّة الأخيرة، كشف عن وجود نزعةٍ تهوّريّةٍ وانتقاميّةٍ لا تليق عادةً بأخلاقيّات من حازوا يومًا على جائزة نوبل للسلام، الأمر الذي دفع المتحدّثة باسم الخارجيّة الروسيّة ماريا زاخاروفا إلى وصف الأشخاص المقيمين في البيت الأبيض بأنّهم "ليسوا إدارةً"، بل هم "مجموعةٌ من الفاشلين في السياسة الخارجيّة، الحاقدين والمحدودين"، لافتةً إلى أنّ "أوباما أثبت ذلك بشكلٍ رسميّ"، من خلال فرض حزمة عقوباته الجديدة، وهي العقوبات التي كان الرئيس فلاديمير بوتين قد وصفها في أكثرَ من مناسَبةٍ بأنّها "سلاح الجبناء".
التريّث الروسيّ في انتظار ترامب!
لا شكّ في أنّ النزال عندما يكون على أشدّه فوق حلبة السياسة الدوليّة بين "لاعب جيدو" مثل الرئيس بوتين و"راقص تانغو" مثل الرئيس أوباما، فإنّ الغلبة ستكون في نهاية المطاف لصالح الأوّل بكلّ تأكيد، نظرًا لأنّه يعرف حتمًا طريقة استخدام فنون القتال جيّدًا، بينما لا يعرف "غريمه" من تلك الفنون سوى استخدام أساليب الغمز واللمز واللفّ والدوران.
ووفقًا لهذه الرؤية، يصبح في الإمكان إدراج "سلاح الجبناء" في خانة الفنون التي يُتقِن "راقصو التانغو" استخدامها في مواجهة "لاعبي الجيدو"، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ الإعلان عن فرض العقوبات الجديدة، وإنْ كان قد بدا وكأنّه ردٌّ على الإهانة التي تعرّض لها الراقص الأميركيّ نهار أمس الخميس فوق الحلبة السوريّة، إلّا أنّ تزامنه مع التسريبات التي تحدّثت في مطلع الأسبوع الحاليّ عن الوساطة التي يعتزم عميد الديبلوماسيّة الأميركيّة السابق هنري كيسنجر القيام بها لنزع فتيل الحرب الباردة الجديدة بين واشنطن وموسكو، عن طريق إقناع الرئيس المنتخَب دونالد ترامب برفع حزمة العقوبات السابقة التي فُرضت على روسيا إثر اندلاع الأزمة الأوكرانيّة عام 2014، يشي بأنّ ثمّة جهاتٍ محليّةً أميركيّةً أرادت من خلال إعلان أوباما الأخير إيصالَ رسالةٍ مباشِرةٍ إلى ترامب نفسه عبر البوّابة الروسيّة، مفادها أنّ الخروج عن النمط التقليديّ لقواعد "لعبة القطّ والفأر" المتوارَثة أبًا عن جدٍّ في مجال تحديد سقف العلاقات بين البيت الأبيض والكرملين هو خطٌّ أحمرُ لن يُسمَح بتجاوزه، الأمر الذي أعاد إلى الأذهان ما كان منظّر الحركة الأوراسيّة الجديدة البروفسور ألكسندر دوغين قد أطلقه من تحذيراتٍ في شهر أيلول الماضي، وخصوصًا عندما كشف النقاب عن أنّ "الليبراليّين الأميركيّين ونُخَبَ العولمة المهووسة يخطّطون لجعل بداية عهد دونالد ترامب كارثيّةً، وذلك على خلفيّة إيمانهم بأنّ بداية ذلك العهد ستعني نهايتهم الأكيدة".
على هذا الأساس، كان لا بدّ لإدارة الرئيس فلاديمير بوتين من أن تتوخّى الحذر الشديد لدى التعاطي مع "الاستفزازات الأوباميّة" المتكرِّرة، ولا سيّما أنّها تدرك حتّى النخاع أنّ الأسابيع الثلاثة المتبقيّة من عمر أسوأ إدارةٍ أميركيّةٍ مرّت في التاريخ الحديث أوشكت على الانتهاء غيرِ مأسوفٍ على شبابها، حيث الكرة ستكون مرميّةً في ملعب الإدارة الجديدة، وحيث سيُبنى حينذاك على الشيء مقتضاه.
ولعلّ ما يبدو واضحًا في الوقت الحاليّ على خلفيّة كلّ ما تقدّم، هو أنّ العالم يعيش الآن في ظلّ أخطر مرحلةٍ انتقاليّةٍ تشهدها السنوات الستّ عشرة الماضية من عمر القرن الحادي والعشرين، ولا سيّما إذا وضعنا في الحسبان أنّ مجرّد أيّ غمزةٍ في بحر البلطيق، أو لمزةٍ في البحر الأسود، أو لفّةٍ في إيران، أو استدارةٍ في تركيا، يمكن أن تتسبَّب في إعادة تشكيل الارتصافات الدوليّة والاقليميّة مجدَّدًا، ولكن فوق أطلال المزيد من الدول هذه المرّة، وعلى حساب المزيد من االشعوب، علمًا أنّ الغلبة ستكون في نهاية المطاف حتمًا لصالح من خَصَّه بالذكر ناسكُ القلم اللبنانيّ ميخائيل نعيمة في إحدى مقارباته حول رواية "الحرب والسلم" لعميد الأدب الروسيّ ليو تولستوي عندما قال: "إنّ الروح الروسيّة تتطلّع دائمًا إلى السلام والاستقرار، وعدم مقاومة الشرّ بالشرّ، والبحث عن النظام في الفوضى، وعن الحياة في الموت".. وممّا لا شكّ فيه هو أنّ ميخائيل نعيمة على حقّ.
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)