في مثل هذا اليوم من بداية الألفيّة الثالثة قبل سبعة عشر عامًا، بدأ الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين خطواته الأولى داخل قصر الكرملين التاريخيّ العريق بصفةِ رئيسٍ بالإنابة، بعدما كان الرئيس الراحل بوريس يلتسين قد أعلن بالفعل عن تقديم استقالته ليلة رأس السنة، مفسحًا بذلك المجال أمام "خليفته المختار" للانتقال بالبلاد إلى عتبة القرن الحادي والعشرين، حسب ما كان قد وعد به مرارًا خلال الأشهر الأخيرة من عهده، ومنهيًا تلك الحقبة الروسيّة المظلمة التي شهدت على انتشار الفساد في مختلف أجهزة الدولة ومؤسّساتها طيلة السنوات التسع العجاف التي تلت تفكّك الاتّحاد السوفييتي، الأمر الذي جعل بداية عام 2000 غيرَ اعتياديّةٍ في الروزنامة الروسيّة بكلّ تأكيد، ولا سيّما أنّ سيرة هذا الرجل الغامض والقادم من عالم الأمن إلى عالم السياسة لم تكن اعتياديّةً أيضًا.
في ذلك اليوم، كانت الساحة الحمراء في وسط موسكو ما زالت تبدو مثل وسامِ مجدٍ معلَّقٍ على صدر مدينةٍ تنبض بالحنين إلى الماضي، في حاضرٍ فقد الكثير من مقوّمات مجده، وذلك نظرًا لأنّ البصمات السلبيّة التي خلّفها نهج الرأسماليّة البيروقراطيّة، أو الرأسماليّة الأوليغارشيّة مثلما يسمّى في روسيا، كانت بدورها لا تزال واضحةً على جبين الناس، ولا سيّما أنّ أصحاب السطوة الماليّة الذين ترعرعوا في ظلّ حركة ميخائيل غورباتشوف الإصلاحيّة (البيروسترويكا)، ومن ثمّ في ظلّ إدارة يلتسين المترهّلة، راحوا يمتحون موارد الدولة الطبيعيّة، ويحوّلون الأموال المكتسَبة إلى مناطق الأوفشور الأجنبيّة، من دون القيام بإنشاءِ أقسامٍ إنتاجيّةٍ جديدةٍ، الأمر الذي أدّى إلى اتّساع الهوّة بين فئةٍ قليلةٍ من السكّان الذين اغتنوا من مثل هذه الأعمال من جهةٍ، وبين الملايين من الناس البسطاء الذين ازدادوا فقرًا من جهةٍ أخرى، وبالتالي إلى التسبّب بمشاكلَ اجتماعيّةٍ بالغةِ الصعوبة والتعقيد.
على هذا الأساس، ووفقًا لما نشرته مؤسّسات بحثيّة روسيّة متخصّصة، ووسائل إعلامٍ محلّيّةٍ مختلفة، فإنّ قيمة الخسائر التي تكبّدتها الدولة جرّاء نظام الخصخصة، على سبيل المثال، وصلت حتّى عام 1999 إلى ثلاثة تريليونات دولار، وأنّ ثراء الأوليغارشيّين الفاحش، وعلى رأسهم معتنقو الديانة اليهوديّة مثل بوريس بيريزوفسكي وميخائيل خودروكوفسكي وفلاديمير جوسينسكي وألكسندر سمولينسكي وميخائيل فريدمان وفاليري مالكين (باستثناء بيريزوفسكي الذي تحوّل عام 1990 من اليهوديّة إلى المسيحيّة الأرثوذوكسيّة)، كان قد تحقَّق بعدما استفادوا بشكلٍ هائلٍ من خصخصة ممتلكات الدولة الروسيّة التي بيعت لهم بأسعارٍ بخسةٍ بعد تفكّك الاتحاد السوفييتيّ.
ووفقًا لإحصائيّاتٍ رسميّةٍ نشرتها صحيفة "كوميرسانت" عام 2002، فإنّ أملاك اليهود في الاقتصاد الروسيّ كانت قد بلغت خلال العقد الأخير من القرن العشرين سبعينَ في المئةِ في قطاع النفط والغاز الطبيعيّ، ومئةً في المئةِ في قطاع السماد الزراعيّ، وثمانينَ في المئةِ في قطاع صناعة السيّارات، وستّينَ في المئةِ في قطاع صناعة الطيران المدنيّ، وخمسةً وثمانينَ في المئةِ في قطاع الأخشاب، وسبعينَ في المئةِ في قطاع البنوك والمصارف، وثمانينَ في المئةِ في قطاع شركات التأمين، وخمسةً وستّينَ في المئةِ في قطاع الإعلام المرئيّ والمكتوب والمسموع.
الاستحقاق الشيشانيّ!
في تلك الظروف الصعبة إذن، بدأ الرئيس بوتين سنوات حكمه متّكئًا على رفاق الماضي من أمثال سيرغي إيفانوف ونيكولاي باتروشيف وإيغور سيتشين وغيرهم، وكذلك على ما اختزنه من ملفّاتٍ ومعلوماتٍ إبان فترة عمله كرئيسٍ لجهاز الأمن والمخابرات، إضافةً إلى الخبرات التي تراكمت لديه طيلة عمله خلال الحقبة السوفييتيّة كممثّلٍ لواحدٍ من أعتى وأقوى الأجهزة الاستخباراتيّة في العالم، أي جهاز الـ "كي جي بي".
ولعلّ المتابعين لمسيرة الرئيس بوتين منذ وصوله إلى الحكم ولغاية اليوم، يستطيعون استبيان مدى الضرورة التي اقتضت حاجته إلى "رفاق السلاح" من أجل مواجهة متطلّبات تلك المرحلة، وخصوصًا على صعيد ضرورة لملمة أطراف الثوب الروسيّ وإنقاذ البلاد من مصيرٍ مشابهٍ لما واجهه الاتّحاد السوفييتيّ السابق نتيجة اشتعال الكثير من الحركات الانفصاليّة في الشيشان وشمال القوقاز.
على هذا الأساس، كان من الطبيعيّ أن يبدأ الرئيس بوتين رحلته من الشيشان، أو بقولٍ أدقّ من جمهوريّة داغستان المجاورة التي داهمتها مجموعات إرهابيّة متطرّفة، بدعمٍ من الأوليغارشيّين الروس، سعيًا إلى بسط هيمنتها على مختلف أنحاء شمال القوقاز، بما من شأنه التمهيد لإقامة ما اتُّفق على تسميته بـ "كونفيديراليّة الشعوب الإسلاميّة"هناك.
ولكن إذا كان في الإمكان وضع الأسباب التي دفعت أولئك الأوليغارشيّين إلى شنّ حربهم الاستباقيّة على فلاديمير بوتين في خانة السعي إلى المحافظة على ما حقّقوه من مصالحَ ومكتسباتٍ شخصيّةٍ على حسابِ مصالحِ ومكتسباتِ عموم الشعب الروسيّ، نظرًا لأنّه وضع على رأس سلّم أولويّاته، لدى تسلّمه مهام منصبه كرئيسٍ للوزراء في شهر آب عام 1999، الشروع في العمل على تطهير مؤسّسات الدولة من سطوتهم، فإنّ وصول ضراوة هذه الحرب إلى حدّ قيام بوريس بيريزوفسكي بتمويل عمليّة دخول القائديْن الشيشانيّيْن المتطرّفيْن شامل باساييف وابن الخطّاب على رأس ألفٍ وأربعمئةِ "مقاتلٍ جهاديٍّ" إلى داغستان، تمهيدًا لجرّ القوّات الروسيّة إلى خوض حرب استنزافٍ طويلةِ الأمد في شمال القوقاز، أظهر بما لا يترك مجالًا للشكّ أنّ الأهداف الحقيقيّة يمكن أن تتجاوز نطاق تلك الخانة بكثير، حتّى لو وصل الأمر إلى حدّ تهديد الأمن القوميّ الروسيّ في الصميم.
بين غروزني وحلب!
من هنا، كان على الرئيس بوتين أن يكون حازمًا إلى أقصى الحدود بعد لجوئه إلى استخدام خيار الحسم العسكريّ في عمليّات دحر مقاتلي باساييف وابن الخطّاب من داغستان، ولا سيّما أنّ الجماعات الإسلاميّة المتطرّفة التي كانت تتوزّع على طول الخريطة القوقازيّة وعرضها، سارعت إلى الردّ على الهزائم التي مُنيت بها على جبهات القتال في عقر دارها بانتهاج أسلوبٍ يفتقر إلى الحدّ الأدنى من أخلاقيّات القتال، وذلك عن طريق تنفيذ سلسلةٍ من عمليّات التفجير الإرهابيّة التي استهدفت مجمّعات المدنيّين السكنيّة في قلب العاصمة موسكو، على غرار ما حدث يوميْ التاسع والثالث عشر من شهر أيلول عام 1999، عندما سقط ما لا يقلّ عن مئتين واثني عشر مواطنًا روسيًّا ممّن لا ذنب لهم سوى أنّ أقدارهم كتبت لهم أن يصبحوا ضحايا بينما كانوا يَغطّون في نومٍ عميقٍ، الأمر الذي مهّد لاتّخاذ قرار الدخول في حرب الشيشان الثانية خلال الشهر نفسه من ذلك العام، تحت شعار "استئصال الإرهاب من جذوره"، وهو الشعار الذي عاود الرئيس بوتين رفعه مجدَّدًا لدى شروعه في شنّ الحرب على الإرهاب في سوريا يوم الثلاثين من شهر أيلول عام 2015.
وإذا كان الحديث قد كثر في الآونة الأخيرة عن أوجه الشبه المتعدِّدة ما بين غروزني وما بين حلب، فإنّ ذلك لا يعدو عن كونه إشارة إيجابيّة على ما يُتوقّع أن تشهده العاصمة الاقتصاديّة لسوريا بعد تحريرها مؤخّرًا من سطوة الإرهابيّين، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ العاصمة الشيشانيّة، ومنذ انتصار القوّات الروسيّة فيها عام 2001، وعلى رغم ما ترافق مع ذلك من هجماتٍ إرهابيّةٍ على غرار ما تشهده الدول المعنيّة بالملفّ السوريّ في هذه الأيّام، إلّا أنّها سرعان ما تحوّلت إلى إحدى أهمّ العواصم الإسلاميّة الحضاريّة في العالم، خلافًا لما هو الحال عليه في غيرها من العواصم التي مرّت فيها رياح التغيير الأميركيّة مثل كابُل ومقديشو وبغداد وطرابلس الغرب.. وللحديث عن نقاط الاختلاف بين النهجين الروسيّ والأميركيّ في الحرب على الإرهاب خلال العهد البوتينيّ الذي بدأ في مثل هذا اليوم من عام 2000، ستكون هناك أكثر من تتمّةٍ وتتمّة!
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)