صحيح أنّها ليست المرة الأولى التي يدخل فيها سعد الحريري السراي الحكومي على صهوة تفاهم سياسي يجعل منه رئيساً لحكومة قوس قزح تجمع الخصوم على طاولة واحدة، لكنها ستكون المرة الأولى التي يرأس فيها حكومة لا تشبه أي من التركيبات الوزارية التي سبقتها، وتحديداً من العام 2005، لحظة دخوله المعترك السياسي.
هي التحوّل بذاته. في تركيبتها الثلاثينية تعكس حكومة "استعادة الثقة" كل المتغيّرات الحاصلة من حولها، وفي عقر دارها. مع اقتراب الذكرى الـ12 لاغتيال الرئيس رفيق الحريري، يجلس المتهِم والمتهَم على طاولة حكومية واحدة. لا يجلسان متكافئين ولا نداً للندّ، ولكن غالباً ومغلوباً.
لا حاجة لقولها بالفم الملآن إنّ نجل الشهيد قدّم كل ما يملك من أوراق اعتماد ليعود الى رئاسة الحكومة. بلغها الرجل ضعيفاً ومستسلماً، مهما تكدست مواد التجميل على وجه الحكومة والتسوية التي أتت بها. لن تنفع الترقيعات الكلامية والوصفية في حجب الواقع الذي يقول إنّ زعيم "تيار المستقبل" يكاد يكون قد تخلى عن كل شيء مقابل جلوسه على الطاولة رئيساً لحكومة وليس فقط زعيماً.
ولهذا، اللبنانيون على موعد مع أداء حكومي استثنائي، لم يسبق أن شهدوا مثيلاً له منذ العام 2005، وتحديداً بعد "اتفاق الدوحة" الذي أرسى نوعاً من الاستقرار السياسي بين "تيار المستقبل" و"حزب الله"، لأنّ لهذه الجولة شروطها ومقتضياتها التي ستظهر تباعاً على أداء الحكومة... والتي يفترض أنها أشبه بانقلاب على مرحلة ما بعد الحرب السورية.
عملياً، يتصرف الحريريون على أساس أن التطورات الاقليمية هزمت مشروعهم. تأخذهم الواقعية الى حدّ رفع كل رايات الاستسلام. تخلوا عن رئاسة الجمهورية بمعزل عن حرص الرئيس ميشال عون على امساك عصا التفاهم في أدائه من وسطها، ولكن بالنتجية هو من قلب 8 آذار ولا يفترض ان تقوده الكرسي المخملية الى الانقلاب على قناعاته وتحديداً تلك الاستراتيجية.
تخلوا عن كل الفيتوات الوزارية التي كانت تحكم المرحلة السابقة، سواء لناحية الثلث المعطل أو بعض الاسماء الاستفزازية، وحتى في ما يخص الملف الأكثر حساسية وهو ملف المحكمة الدولية، حتى طار من البيان الوزاري، وعاد الرئيس نبيه بري وأعاده الى متن البيان.
ولكن "قمة التنازلات" ستكون في قانون الانتخابات. من كان يسمع نقاشات المستقبليين ابان الفراغ الرئاسي، كان يعرف جيداً أنهم كانوا مستعدين للسير بأي مرشح لرئاسة الجمهورية، ومهما كانت كلفته، بغية حماية "قانون الستين"، لأن ضرب القانون القائم هو ضرب في الصميم للحالة الحريرية. وهذا ما اعتقدوا أنهم فعلوه.
ولكن، ها هي النقاشات الحاصلة خلف الكواليس تنذر بامكانية تغيير قانون الانتخابات، وهذه المرة تكاد تكون الاكثر جدية. ليس بالضروري أن يصار الى وضع قانون يخنق "تيار المستقبل" في فائض مخزونه النيابي لا سيما في المقاعد المسيحية، ولكن بالتأكيد ثمة مرحلة جديدة قد تفرض نفسها على الحالة الحريرية.
كل تلك الاعتبارات والتي هي عبارة عن مسلسل تنازلات مستمر، تجعل من حكومة سعد الحريري استثنائية في مقارباتها، وتحديداً في شبكة علاقات مكوناتها، بعضها ببعض، لتكون حكومة "العون والسعد"، بعدما كانت قبل سنوات قليلة حكومة "الكباش والضرب".