أصعب اللحظات هي تلك التي تجد فيها نفسك "مضطراً" إلى الكلام أو التعبير أو التعليق على مشاهدات وأحداث، فيما يخنق الصمت الذي تُنشده حنجرتَك الى حدّ الانفجار. تقول: "سأبدأ أولاً بإفراغ الغضب على إعلام لا يتعظّ ولا يتقدّم". تحاول جاهداً ألا تتأثر بالذرائع المعطاة من هنا وهناك لتبرير استصراح أب مفجوع أو أخت منهارة، مقتنعاً بأنه بقدر ما هي دموعهم حقيقية، بقدر ما يفقد "الخبر" الذي يحمل تصريحاتهم كلّ عناصره. فهل من "خبر" في مشهد يظهر فيه أهل الفقيد وهم يتمزقون حزناً ووجعاً بعد تأكدهم من صحة الفاجعة؟!
ثم تفكّر في أن مثل هذه المشاهد الموجعة قد تهزّ الضمائر، وفي أن "كاميرات" إعلام الغرب صوّرت بدورها "ايلان" و"عمران". سرعان ما تتذكر أن للفرد خصوصية تنسحب على لحظات الأسى والانهيار.
تشعر بأن الوقت الراهن ليس مناسباً لخوض هذا النقاش، وبأنه لن يُنفسّ الغضب الذي يصيب أوردتك بالتوّرم. تفكّر في المشاركة بالجدل الآخر القائم حول حرية التعبير والتعليقات التي وردت على مواقع التواصل الاجتماعي و"المسّ بحرمة الموت"، فتبدو لك أيضاً عقيمة، بل تحتمل أكثر من وجه محقّ! يصعب عليك عدم الاعتراف بأن حرية التعبير هي فعلاً مقدسّة إلى حدّ استحالة تقييدها بحدود، تماماً كما يصعب عليك تقبّل "رأي" لا يحترم الإنسان، ولا حريته في عيش الحياة التي يريد، ولا موته.
وفي حضرة الإرهاب وسيطرة الشرّ على بعض العقول، تُدرك أنه حتى في الدول الغربية التي نصفها نحن بالمتقدمة في كل المجالات ومن ضمنها حقوق الإنسان، فإن السلطات الأمنية لن تتردد في التحقيق مع صاحب "كومنت" يحمل هذا الكمّ من الحقد والكراهية (برأي البعض وليس بالضرورة الجميع، إذ قد يراه آخرون عادياً وطبيعياً استناداً إلى معتقد دينيّ أو فتوى دينية)، وذلك تخوّفاً من أن يكون هذا الشخص منتمياً إلى تنظيم ارهابيّ أو أن يكون مجرماً محتملاً!
وترتبط مباشرة بهذا الجدل المؤلم "قضية" توصيف الأشخاص الذين زُهقت أرواحهم في الإعتداء، فتشعر بحاجة ماسّة إلى البكاء والصراخ وقوةّ خارقة تنتشلك من هذا الكابوس.
أما أنت فسوف تسميهم الشهداء وضحايا وقتلى وأحياء بالروح وشاهدين على مجزرة انتقمت من الفرح. ولن تبحث مطوّلاً في "أدبيات" اللغة والصحافة، ولن تقبل بحلول زمن يحوز فيه الإنسان "الصفة المناسبة" تبعاً لمكان موته، أو طريقة موته، أو توقيت موته، ولا حتى استناداً إلى دينه أو لونه أو جنسه وجنسيته. ولن يكون الانسان بالنسبة إليك أبداً رقماً. ومع هذا كلّه، فلن تقوى على "تعميم" معتقدك هذا وقناعتك تلك حينما تفكّر في السفاح الذي افرغ رصاصاته في صدور الأبرياء ورؤوسهم. هو، باعتقادك، رقمٌ يضاف إلى عدد الشياطين على هذه الأرض. هو مسخ قد لا يوقف السجن شرّه.
تخاف من المُضي في هذا النقاش. تحاول الخروج بخلاصة تختصر بعض ما تفكر به. تتفاقم الكآبة ويتعزز الخوف الذي ينخر الرئتين. العالم بات مُرعباً، والدفّة المنتصرة مثقلة بالشرّ. ماذا يفعل المسيحيون والمسلمون من أجل سحق الغول الذي يقتل باسم الله؟ ماذا يفعل الملحدون من أجل حماية الإنسان؟ ماذا تفعل كل الشعوب المُحتكمة إلى الخوف والجهل والاستسلام من أجل كفّ يد "الدول" و"المنظمات" و"أصحاب القرار" عن التحكمّ بمصائرهم ومصير البشرية جمعاء؟!
تعتقد بأن الحرب اليوم هي حرب بين "ثقافتين"، واحدة تشرب نخب الحياة وأخرى تشرب الدماء. وتتأكد أكثر فأكثر بأن أحد أهم أسباب نشوء هذه الحرب هو ضرب الحريّات منذ المهد. الإنسان ليس كلمة، تقول. عليه أن يكون حرية كي يتكوّن إنساناً، فيثور على ظلم وفقر وغسل أدمغة ومال. تتردد دون التجرؤ على الجزم، فقد لا تكون محقاً...
تُنهكك هذه التناقضات والفرضيات والاحتمالات. الصمت الذي يأبى أن يسود سببه حاجتك إلى قول شيء آخر. شيء وحيد فيه كل الحقيقة، وكل الوجع والخوف والغضب والشجن. مسجّون أمامنا هادئون صامتون وحيدون مع قطعتين من القطن وألف سحابة بيضاء ترفعهم إلى حيث سيحتفلون بكل عام جديد من دون الحاجة إلى حرّاس على الأبواب. ريتا، هيكل والياس غنوّا مع فيروز وسعيد عقل "ردني إلى بلادي مع نسائم الغوادي مع شعاعة تغاوت عند شاطئ ووادي"، فحصل. صاروا "شلح زنبق" على ثرى هذي البلاد. كانوا نزهة وصاروا حكاية. يا الله على هذا الوجع، على هذه النهاية... وعلى هذه البداية.
توّد أن تُكمل في رثائك علّك "بصلاحية" إنسانيتك تشدّ على يد أخت مفجوعة، أو زوجة مصدومة أو والد أو شقيق أو حبيب أو قريب أو صديق. تريد أن تقول لأهالي الضحايا أجمعين أن أولادهم زنابق وملائكة وأقواس قزح. يتدخل الصمت. حان وقته. غداً، سيكون انتصارٌ وسلام.