زلزل قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب أحلام أسرٍ وعائلاتٍ عربية، انتظرت سنواتٍ طويلةً فرصةً للهرب مع أطفالها من أزقة الموت والذبح على الهوية في بلدانها، التي تشهد حوادث دموية، للولايات المتحدة الأميركية دور كبير فيها، وعلى أبواب السفارات حلمت ببدء حياة جديدة في بلاد العم سام، حيث لن تُسأل عن مذهب أو معتقد، ولن تُنحر أجساد شبابها وشيوخها بسيوف الإرهابيين، ولن تُسبى نساؤها، ولن تُدفن أجساد أطفالها الأحياء تحت ركام منازل مدمّرة ببراميل متفجرة من هنا أو غارات حربية من هناك. ولكنّ المفاجأة لا بل الصاعقة أنّ الدولة العظمى التي أمضت عقوداً في رسم صورة مشرقة لها، مكللة بتاج الديمقراطيات والحريات المقدسة ، كشفت عن وجهها الحقيقي الذي لا يقل إجراماً عن أولئك الذين تدّعي محاربتهم، فإذا بحفيد العم سام يحاكم شعوباّ برمتها، ويضعهم في دائرة الإرهاب، من دون أن يمنحهم فرصة الدفاع عن أنفسهم.
فؤاد سليمان عراقي متزوج، لديه ثلاثة أطفال، تقدّم بطلب للحصول على تأشيرة دخول للولايات المتحدة في أيلول عام 2014 بسبب تدهور الأوضاع الأمنية في بلاده، وسيطرة مقاتلي تنظيم الدولة الاسلامية على مساحات كبيرة من العراق، وارتكاب عمليات قتل جماعية. فؤاد عمل في مشاريع تموّلها مؤسسات أمريكية، مثل إدارة المساعدات الأمريكية في السنوات التي أعقبت اجتياح العراق، وعمله هذا كان سبباً في جعله عرضة لهجمات من يعتبرونه خائناً. مؤخراً وبعد طول انتظار حصل على تأشيرة للهجرة إلى الولايات المتحدة الأميركية، اعتبرها مكافأة له على عمله معهم، وعلى عجل باع منزله وترك عمله ومدارس أولاده، وحزمت الأسرة حقائبها وبدأت رحلتها يوم السبت، ولكن المفاجأة كانت بمنعهم من ركوب الطائرة التي ستقلّهم من مطار القاهرة إلى نيويورك، تنفيذا للإجراء الأميركي الترامبي، فصُودرت جوازات سفر الأسرة، واحتُجز أفرادها في مطار القاهرة أثناء الليل، وأُرغموا على العودة على متن طائرة إلى مدينة أربيل شمال العراق صباح يوم الأحد.
سليمان المذهول مما حصل تحدث لـ "رويترز" هاتفياً من مطار القاهرة قائلاً: "عوملنا وكأننا تجار مخدرات ورافقنا ضباط الترحيل. أشعر بأنني أخطأت في حق زوجتي وأولادي، كوني السبب فيما أصابهم من خوف".
ووصل سليمان وأسرته إلى مطار أربيل الدولي في حالة معنوية سيئة، حيث شبّه قرار ترامب بدكتاتورية الرئيس العراقي السابق صدام حسين.
"كنت أحسب أن أمريكا مؤسسة وديمقراطية. هذا القرار أشبه بقرارات صدام حسين. نعم قرار يوقّعه شخص دون الرجوع للكونغرس".
وأضاف سليمان "أنا محطّم تماما. لا أفهم كيف يكافئ الناس الذين ساعدوه. لا أفهم ذلك. عندما كنّا نعمل معهم عرّضت حياتي وحياة أسرتي للخطر، فكلّ من يعمل مع الأميركيين يعتبر كافراً".
كان من المقرر أن تسافر الأسرة في الواحد من شباط، ولكنها قررت الإسراع بالسفر بعد سماعها أخباراً عن قيود سيفرضها ترامب على الهجرة. سليمان يختم "كلفتي الرحلة خمسة آلاف دولار ذهبت كلها أدراج الرياح ومعها أحلام كثيرة. ابنتي تسألني باستمرار عن موعد ذهابنا إلى أميركا، وقد حاولت أن أفسر لها أن هناك تجميد لمدة شهر وهي تعدّ الأيام".
يذكر أن سليمان تقدم بطلب للهجرة عن طريق برنامج يعرف باسم تأشيرة الهجرة الخاصة، التي أنشأها نواب أميركيون لمساعدة عشرات الآف العراقيين الذين جازفوا بحياتهم في مساعدة الأميركيين بعد الغزو عام 2003.
قصة سليمان تشبه قصصاً كثيرة، أبطالها تحوّلوا بشخطة قلمٍ إلى"إرهابيين"، ذنبهم الوحيد أنهم لم ينتموا إلى ميليشيات القتل والذبح في بلادهم، حلموا بالهرب وأطفالهم من ويلات الحروب وشياطينها في بلدانهم، فإذا بالشياطين تعتلي المراكز والكراسي في بلاد "الديمقراطية وحقوق الإنسان"، وتضرب عرض الحائط المواثيق الدولية وحقوق البشر، وتضع مئتين وعشرين مليون شخص في دائرة الشبهة، هم مجموع رعايا الدول السبع المشمولة بقرار ترامب.