الموازنة على طاولة مجلس الوزراء، والإتجاه إلى إرسالها إلى مجلس النواب خلال شهر شباط الحالي، خبرٌ طال انتظاره في بلد أمضى أكثر من أحد عشر عاماً من دون موزانة عامة، ترعى حدود الإنفاق منذ العام 2005 ، بحيث ساد الإنفاق العشوائي وفق القاعدة الإثني عشرية، ومن دون إنجاز قطع الحساب على خلفية الخلاف السياسي حول الـ 11 مليارا، والمناكفات بين التيارين الأزرق والبرتقالي التي عطلت إقرار الموازنات.
وطوال هذه الأعوم تعرّضت المالية العامة في لبنان إلى عملية إستنزاف كبيرة ناتجة عن إنفاق مُفرط ، والنتيجة تنامي الدين العام والعجز المالي.
اليوم تغتنم الحكومة فرصة روحية التفاهم لتمرير مشروع الموازنة، بصرف النظر عما يحمل في صفحاته من ضرائب ستطال جيوب الفقراء، وتزيد العجز من جراء قطاع الكهرباء وغيره، بغياب أي رؤية إصلاحية لهذا القطاع، الذي كبّد الخزينة خسائر بمليارات الدولارات، كانت كافية لإنشاء أربع محطات لتوليد الكهرباء. والأهم بغياب أي إصلاح حقيقي ووقف هدر المال العام الذي بلغ أرقاماً خيالية، أشار إليها النائب حسن فضل الله في جلسة الأسئلة والأجوبة، كإستئجار مبانٍ لإدارات الدولة بمبالغ يصل مجموعها إلى مئتي مليون دولار سنوياً، ومنها على سبيل المثال المبنى الفخم الذي تمّ استئجاره مؤخراً في وسط العاصمة لمجلس شورى الدولة، ومبنى الإسكوا القريب منه .
ولكن في النصف الآخر من الكأس، لا شك إنّ البدء بإقرار الموازنة العامة في غاية الأهمية، "بعد سنوات من الإنفاق المخالف للدستور وفق القاعدة الإثني عشرية، التي تصح لبضعة أشهر وليس على مدى اثني عشر عاماً " بحسب مرجع قانوني.
من هذا المنطلق ينظر النائب ياسين جابر لوضع مشروع الموازنة على سكّة المؤسسات الدستورية، "من أهم معايير استعادة ثقة اللبنانيين وكل المراقبين المحليين والدوليين، أن تقوم الحكومة بإنجاز مشروع قانون الموازنة وإرساله إلى مجلس النواب، وأن يقوم المجلس بإقراره. جرت العادة للأسف الشديد خلال السنوات الإحدى عشرة الماضية، أن نعتمد سياسة أصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب، وهذا أسلوب مدمرٌ . بحيث سادت أفكار حيال الإنفاق، ولكن لا يجب أن نعلم هل هناك توازن بين مدخول الدولة ومصاريفها؟ إذا كان هناك من عجز، ما هو مقداره؟ وكيف يمكن أن نخفف منه؟. أعتقد أن ليس هناك دولة في العالم تستطيع ان تستمر من دون موازنة ".
وأضاف جابر في حديث لـ "لبنان 24"، "في الأساس أُنشىء مجلس العموم البريطاني من أجل أن يضع موازنة، ويحد من قدرة الملك في حينه على الإنفاق بدون حساب. والموازنة هي أهم قانون يقره المجلس النيابي وأهم عمل رقابي تقوم به أي سلطة تشريعية، أي مراقبة الحكومة في أنفاقها استناداً إلى الموازنة العامة ".
سلسلة الرتب والرواتب هو الشق الذي يهم المواطن من الموازنة بالدرجة الأولى "وقد ترتأي الحكومة أن ترفقها بمشروع الموازنة أو أن ترسلها بمشروع قانون منفصل".
أما مسألة قطع الحساب يقول جابر "المخارج موجودة والمهم توافر الإرادة السياسية للخروج من الفراغ القانوني بعدم وجود موازنة ، والعودة إلى الإنتظام في المالية العامة، من دون أن نعفي أحداً من المسؤولية عن أي ممارسة في الماضي، وبالتالي يمكن وضع قانون من ضمن الموازنة بهذا الإتجاه".
وفي ترجمة لهذا المخرج الدستوري علم "لبنان 24 " أنّ التسوية التي يصر أصحابها على تسميتها بحل وليس تسوية ، تقوم على إقرار موازنة العام الحالي وعدم انتظار عمليات التدقيق في الحسابات المالية العامة المطلوبة لإنجاز قطع الحسابات السابقة ، وإضافة بند أو نص في مشروع الموازنة يتحدث عن منح مهل إضافية لإنجاز هذه الحسابات، كي لا تتبع سياسة عفا الله عما مضى، وهو الأمر الذي مهّد له النائب ابراهيم كنعان في تصريح له من مجلس النواب تحدث خلاله عن الحاجة إلى الكثير من الوقت لإنجاز قطوعات حسابات الأعوام الماضية.
وفي هذا السياق قال مصدر نيابي في تكتل التغيير والإصلاح لـ "لبنان 24" "لنركز اليوم على أهمية إقرار موازنة العام الحالي، والمصاريف المرتقية للدولة اللبنانية، أمّا المصاريف التي حصلت في السابق فهي خاضعة للمراجعة، ويتم البحث عن حل وليس تسوية، والحل مختلف عن التسوية، لا نغطي ما حصل في السابق، إنّما نضع آلية جديدة وإطاراً صحيحاً لتُمارس رقابة على الأموال التي صرفت، فإنجاز قطع الحسابات النهائية للدولة اللبنانية هو بأهمية إنجاز الموازنة".