بين القانون "المختلط" على أشكاله وأنواعه، وقانون رئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي، وغيرها من اقتراحات وتصورات لقانون انتخاب قد يتفق عليه الجميع أخيرا في الوقت المتبقّي لدعوة الهيئات الناخبة الى الاستحقاق النيابي أو حتى ما بعد هذه المهلة، تبدو الصورة الانتخابية مبهمة والاحتمالات مفتوحة ومتعدّدة، وهاجس الفراغ النيابي مسلّط فوق رؤوس الجميع.
وتقول مصادر وزارية متابعة للموضوع إنّ حزب "القوات اللبنانية" و"تيار المستقبل" سوف يسيران بقانون الـ 66 بالمئة المقترح من الوزير جبران باسيل، مع ادخال بعض التعديلات عليه لإزالة هواجس الزعيم الدرزي وليد جنبلاط. وبحسب مصادر أخرى، فإنّ القانون الذي كان قد أقرّ من قبل حكومة ميقاتي، ويقوم على النسبية على أساس 13 وحدة انتخابية أو قضاء، قد عاد الى الواجهة وازدادت حظوظ إقراره ولو مع بعض التعديلات.
الّا أنّ مصادر رفيعة ملمّة بحيثيات القوانين الانتخابية تبدو غير مقتنعة بإمكانية إقرار ما بات يعرف بقانون الـ 66 بالمئة، ولا السير بقانون ميقاتي. معتبرة أنّ الأول غير مفهوم وغير متجانس من حيث التطبيق، فهو اذ يدعو لانتخاب النواب على أساس النظام الأكثري في الأقضية التي يطغى عليها اللون (الطائفي) الواحد، انما يلحظ انتخاب نائب من أصل خمسة نواب في كسروان مثلا على أساس النسبية، بالرغم أنّ هذا القضاء ينطبق عليه مبدأ الأكثري. هذا على سبيل المثال لا الحصر، اذ يتضمّن نصّ القانون الكثير من الشوائب التي جعلت الجميع يتنصّل منه بمن فيهم باسيل نفسه كما تشير المصادر، ما جعل هذا المشروع يفتقد الى "عرّاب" يضغط باتجاه تبنّيه.
أما بالنسبة لقانون ميقاتي، فهو بحسب المصادر كان قد أقرّ في عهد حكومة هذا الأخير "رفعا للعتب" وبعلم من الجميع أن لا مجال لتطبيقه، وقد تحفظ يومها جنبلاط، وهو أكثر المتضرّرين من هذا القانون، أي انطلاقا من أنّه تمّت صياغته للشكليات ليس الّا.
وفي حال صحّت هذه الأقوال، وبقيت شتى الاقتراحات معلّقة لفشلها في إتمام توافق عام حولها، فما هي العواقب والتوقعات للمرحلة المقبلة؟ وهل خشية البعض من فراغ نيابي مبرّرة أم هي هاجس لا سبب واقعياً له؟ وما هي حظوظ قانون الستين وأين تبدأ وتنتهي صلاحية رئيس الجمهورية الرافض لهذا القانون في إبطاله؟
يوضح وزير الداخلية السابق والملمّ بقانون الانتخاب زياد بارود لـ "لبنان 24" نقاطاً عديدة في هذا الاطار، مشيراً الى أنّ مهلة دعوة الهيئات الناخبة تنتهي قبل تسعين يوما من انتهاء ولاية المجلس في 21 حزيران، الّا أنّ احتسابها سوف يتمّ على أساس تاريخ 21 أيار بدلا من 21 حزيران بسبب حلول شهر رمضان أواخر أيار، ما يُنهي المهلة فعليا في 21 شباط بدلا من 21 آذار.
وهذه المهلة، كما يشرح بارود، ليست دستورية كما يخاله كثيرون، بل هي قانونية، تمّ تحديدها بموجب قانون ويمكن اذاً تعديلها بقانون، ما يعني أنّه حتى مع انقضائها في الأيام القليلة المتبقية، لا يزال الباب مفتوحا أمام تشريع لقانون انتخاب جديد مادامت السلطة التشريعية موجودة في دورة استثنائية أو عادية، وقادرة اذا على إصدار مثل هذا القانون وعلى تحديد مهل جديدة لدعوة الهيئات الناخبة على أساسه. ويذكر أنّ الدورة العادية للمجلس تبدأ في 21 آذار وتنتهي في آخر أيار، ما يعني أنّ التشريع ممكن وليس من سبب يحول دونه.
أما بالنسبة لكلام رئيس الجمهورية ميشال عون حول عدم استعداده التوقيع على مرسوم دعوة الهيئات الناخبة على أساس قانون الستين الذي يرفضه جملة وتفصيلا، مصرّا في المقابل على إصدار قانون جديد على أساس النسبية، يؤكد بارود على حقّ رئيس الجمهورية التام في اتباع هكذا خطوة، مشيرا الى أنّ توقيعه في هذه الحالة هو "توقيع سياسي وليس اداري،" وموضحا أنّ مثل هذا المرسوم لا يحتاج لموافقة مجلس الوزراء ولا ينطبق عليه مبدأ الخمسة عشر يوما لردّه من قبل رئيس الجمهورية قبل أن يصبح نافذا اذا أصرّ عليه المجلس، بل انّ أي مشروع مرسوم دعوة الهيئات الناخبة بحاجة لتوقيع كلّ من رئيس الجمهورية، رئيس الحكومة والوزير المختص (الداخلية) ليدخل حيز التنفيذ، وأي انتقاص في هذه التواقيع الثلاثة يعطّله تلقائيا.
ويروي بارود في هذا الاطار كيف أنّه كان قد تقدّم بمشروع مرسوم مماثل في تشرين الثاني من العام 2008 في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة التي تشكلت في تموز من العام نفسه، لملء الشغور النيابي الذي كان قد وقع اثر اغتيال النائب أنطوان غانم في أيلول 2007، وذلك تطابقا مع المهل القانونية، علما أنّ الانتخابات النيابية العامة كان مقرّر عقدها في حزيران 2009، وأنّه بحسب المادة 41 من الدستور، يجب اجراء انتخابات فرعية اذا تعدّت مهلة الشغور الحاصل فترة الستة أشهر من تاريخ الانتخابات النيابية العامة. الّا أنّ السنيورة ورئيس الجمهورية آنذاك ميشال سليمان ارتأيا أن لا ضرورة في اجراء انتخابات فرعية بضعة أشهر قبل الاستحقاق النيابي الشامل، فامتنعا عن توقيع مشروع المرسوم الذي بالتالي لم يدخل قيد التنفيذ.
وفي هذا الحدث عبرة أنّ مثل هكذا مرسوم ليس بحاجة الى موافقة مجلس الوزراء وأنّ تمريره أو تعطيله لا يمرّ بالمؤسسة التنفيذية بل هو حكر على الأشخاص الثلاث المعنيين به مباشرة.
ويشرح بارود كيف أنّ عدم توقيع رئيس الجمهورية لا يؤدّي حتما الى فراغ في المؤسسة التشريعية، إذ إنّ هكذا فراغ لا يحصل فعليا الا ابتداء من 21 حزيران، وانّ طوال الفترة الممتدّة الى ذلك الحين، يبقى المجلس قادر على التشريع. وبناء عليه، فما يسعى اليه عون حقيقة هو الدفع باتجاه قانون جديد، وفي ذلك انسجام مع مواقفه السابقة حتى قبل انتخابه، خصوصاً أنّ الفترة المتبقية أكثر من كافية لإصدار قانون جديد.
ويبدو أنّ أسلوب عون قد نجح في تحقيق مبتغاه، كما يوحي الكلام الأخير للرئيس سعد الحريري بأنّه سيدرس النسبية، والذي سجّل فيه رئيس الحكومة تراجعا ملحوظا عن مواقفه السابقة ومحاولة لتصويب الأمور بعد انتقاد وزير الداخلية نهاد المشنوق لمواقف رئيس الجمهورية على خلفية تلويح هذا الأخير بالفراغ النيابي.
واذ يتخوّف كثيرون من هذا الفراغ في حال رفض عون التوقيع على مشروع المرسوم، يقول البعض أنّه في هذه الحال، قد يلتئم المجلس ويمدّد لنفسه. الّا أنّ زوّار بعبدا ينقلون عن الرئيس أنّ عون لن يتردّد في هذه الحال بالتقدّم بطعن ضدّ هذه الخطوة أمام المجلس الدستوري الذي لا بدّ أن يبطل التمديد اذ لا سبب وجيها له، علماً أن آخر تمديد للمجلس النيابي جاء على أساس أنّ الظروف الأمنية لا تسمح بإجراء انتخابات نيابية، وهذا لا ينطبق على الوضع الحالي الشبه مستقرّ، خصوصا أنّ الانتخابات البلدية قد أجريت في أيار الماضي في الظروف نفسها السائدة اليوم، اذا لا مبرّر لعدم اجراء الاستحقاق النيابي، الا في حال حصل تدهور أمني يقلب المعطيات ويعيد الحسابات الى نقطة الصفر..
أما بارود، فيوضح أنّه بمجرّد صدور قانون جديد في الفترة التشريعية المتبقية للمجلس النيابي حتى آخر أيار، فالتمديد التقني لمجلس النواب يحصل تلقائيا الى حين اجراء الانتخابات بحسب المواعيد التي سوف يحدّدها هذا القانون الجديد.
وبالخلاصة، بات مؤكدا أن لا أحد يسعى الى الفراغ ولا أحد يريد تحمّل عبأه ومسؤوليته، خصوصا أنّه قد يؤدّي الى مؤتمر تأسيسي ليس من فريق بوارد الذهاب اليه، ولا حتّى أقوى الأقوياء، في ظلّ الظروف الإقليمية الخطيرة، وانغماس الجميع، بشكل أو بآخر، بأحداث المنطقة. وفي ضوء هذا الواقع، يبقى الأمل بإيجاد حلّ لمسألة القانون العتيد في المستقبل القريب أمرا واردا.