كفى شعارات شاعرية، وتبجيلاً مقدساً لدور المرأة في المجتمع. وبعد، أحاديثٌ ومواقف ومطولات عن أهميتها على صعيد الوعي الثقافي، والتحرر الفكري، والصمود والعطاء، والتربية الصالحة والأمومة بشكل عام. كلمات لا نسمعها الا في يوم المراة العالمي من قبل المسؤول، والسياسي، والاعلامي، والفنان، والمحامي، والقاضي، والزوج، والأب، والاخ.. والوسيط عبثاً، لكنها لا تترجم.. وهنا يصح الاستشهاد برائعة نزار قباني التي شدتها ماجدة الرومي لتجسيد الواقع "كلماتٍ تقلـبُ تاريخي.. تجعلني امرأةً في لحظـات".. ثم؟
بعيداً عن المواقف السياسية المعلنة عن "الكوتا النسائية" الافتراضية حتى حين، لا بد من ذكر أن منذ أن رفع الوزير الراحل فؤاد بطرس راية التمثيل السياسي للمرأة (2006)، إلى رئيس الحكومة الحالي سعد الحريري الذي، وفي عيدها، اكد التزامه بـ"إحراز تقدم لدور استثنائي للمرأة في صنع مستقبل لبنان عبر كوتا في قانون الانتخاب وقوانين لإنصافها"، مضيفاً: " يمكن للمرأة ان تنجز اكثر بكثير من العديد من الرجال ان كان في مجلس النواب والوزارات" مروراً بكثيرين جداً جداً.. نساء لبنان بانتظار الترجمة الفعلية، ولا بد من وضع النقاط على الحروف في ما يخص بعضاً من النصوص التشريعية والمعاهدات التي لم يلتزم بها لبنان.
أسئلة دون إجابات
لماذا تملص لبنان من اتفاقية "سيداو" التي تُعنى بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وذلك عبر وضع تحفظات شكلت حاجزاً أمام تقدمها؟ ولماذا لا تزال اعداد كبيرة من القوانين والتشريعات المختصة بالمرأة "قيد الانتظار"، وعلى حافة التشريع فقط؟ وماذا عن الالتزام الذي صادق عليه لبنان في إعلان "بيجينغ" (1995)، والذي يوصي برفع تمثيل المرأة إلى نسبة لا تقل عن 30% بحلول 2005"؟ وماذا عن الاتفاق المبدئي حول الغاء المادة الـ522 والذي هللّ له المجتمع المدني قبل فترة بانتظار ان تقر الهيئة العامة لمجلس النواب التعديلات عليه قريباً؟ ولماذا لا تطبق بنود الدستور اللبناني في أحكام القضاء التي تشير حرفياً الى ان "لكل إنسان الحق بجميع الحقوق والحريات دونما تمييز من أي نوع كان ولا سيما التمييز بسبب الجنس"، وخصوصاً في مسألة الحق بإعطاء الجنسية؟ هي قوانين واتفاقيات، لو تحققت، لكانت توقفت المرأة عن تجسيد دور الضحية التي وضعت في خانتها منذ المرحلة العثمانية وحتى انتهاء الحرب الاهلية الللبنانية ولا تزال، ولكانت أصبحت رئيسة للجمهورية، ورئيسة للحكومة ورئيسة للمجلس النيابي على غرار رئيسات غربيات وعربيات كثيرات منهن: رئيسة ليتوانيا دالياجريبوسكايتي، رئيسة استونيا كريستي كاليولايد، المستشارة الالمانية انغيلا ميركل...
مذ كان الاستقلال وإلى اليوم، والارقام لا تبشر خيراً في البرلمان، فنسبة النساء تحت القبة التشريعية "لم تتجاوز 6.4% من أصل 128 مقعداً"، بحسب وزير الداخلية والبلديات الأسبق المحامي زياد بارود. أما في الوزارة، وفي 2017، لا تزال نسبة المشاركة ضئيلة.. وزيرة واحدة فيما يتواجد 8 نساء في الحكومة الاماراتية! حتى وزارة المرأة بيد رجل... يا فرحة ما كملت! ما زالت المرأة غير قادرة على إدارة شؤون نفسها فكيف ستمسك بوزارة؟ هذا ما يقال في الصالونات السياسية همساً، على اعتبار انها "مزحة وبتقطع"، ولكنها تعكس في مضمونها موقفاً دفيناً، وذكورية رافضة لإعطاء المرأة حقها.
تكامل أم مساواة؟
كفى!.. للمجتمع المدني دور أيضاً في الكف عن الاضاءة المكثفة لـ"المرأة الضعيفة" بدلاً من إبراز زوايا قوتها، والعمل على تنمية مبدأ "التكامل" والتجانس بين الجنسين، وبأن للمرأة ميزاتها وللرجل ميزاته أيضاً، فليس بحفر الصخور وارتداء زي الرجل تتساوين في الحقوق والواجبات. النقطة السلبية في دور الجمعيات أنها تناقش مساواة المرأة الحياتية والإجتماعية والسياسية بدلاً من إظهار الاختلاف الذي هو بحد ذاته قوة، وهو اعتراف صحي وضروري ومحق لها وللمجتمع ككل. فمثلاً، هي قد تفوق الرجل ذكاءً في الكثير الكثير من المواقع التي تليق بها، إدارة وتخطيطاً وتعليماً وصناعة حياة، والاهم سياسياً بتولي إدارة الحوار الذي لا يحتاج الى رفع الاثقال وتبيان الشارب!
هذا المزيج الفريد، والمتوازن، هو ما يجعل لبنان منفتحاً، حضارياً، محافظاً، وليس بالتمييز بين الجنسين في القضايا ذات الحيثيات المتشابهة، ورغم انف الكلام المنمق، ما زال لبنان قابعاً في بؤرة التمييز لاسباب عدة منها بنيوية وتتعلق مباشرة بتدخل الطوائف بالتشريعات والقوانين، وخاصة في ما يخص منح الجنسية وبعض مواد قوانين الأحوال الشخصية وحق الحضانة، ولعله من المعيب أن نفرح بهكذا عيد وما تزال قضايا كقضية الأم "ريتا شقير" التي حرمت، وما تزال، من رؤية طفلها لأكثر من 3 ساعات اسبوعياً.
هكذا، وبعد تقطيع قالب الحلوى.. "أعودُ.. أعودُ لطـاولـتي لا شيءَ معي.. إلا كلمات".