حمل رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو هواجسه الشرق أوسطيّة من تلّ أبيب وحطّ بها في العاصمة الروسيّة موسكو، أملًا في أن يسفر الاجتماع الذي عقده ظهر اليوم الخميس مع الرئيس فلاديمير بوتين في الحدّ من تداعياتها، ولا سيّما في هذه الأيّام الهامّة والمفصليّة التي باتت تبشّر بإمكانيّة حدوث تطوّرٍ لافتٍ من شأنه أن يقرِّب موعد إيصال الأزمة السوريّة إلى خواتيمها السعيدة، بقدرة القادر الروسيّ، وتحت إشرافه المباشِر، وذلك على رغم كلّ ما صدر خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية من تسريباتٍ مفادها أنّ الطحشة الأميركيّة الأخيرة في الميدان السوريّ، سياسيًّا وعسكريًّا، يمكن أن تؤدّي إلى كبح جماح الطموحات الروسيّة هناك، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ النزعة البهلوانيّة التي شكّلت علامةً فارقةً في أسلوب تعاطي الرئيس دونالد ترامب مع العديد من الملفّات الدوليّة والإقليميّة، منذ تنصيبه ولغاية يومنا الراهن، ما زالت تجعل من الصعب جدًّا التعويل عليها لبناء أيّ قراءةٍ استراتيجيّةٍ جدّيّةٍ ورصينةٍ للمستقبل الأميركيّ المنظور في المنطقة.
وإذا كان نتنياهو قد استبق وصوله إلى موسكو بالإعلان عن أنّ لقاءه مع بوتين سيكون في غاية الأهمّيّة بالنسبة إلى أمن إسرائيل، فإنّ أسباب ذلك تعود في الأصل إلى الهواجس الناجمة عن الآليّة المطروحة حاليًّا في أجندة الإدارة الروسيّة لتسوية الأزمة السوريّة، الأمر الذي يشكّل بحدّ ذاته اعترافًا ضمنيًّا إسرائيليًّا بأنّ روسيا لا تزال الدولة الأكثر فاعليّةً في مجال التحكّم بمفاتيح الحلّ والربط في سوريا، علمًا أنّ هذا الاعتراف لا يعني بالضرورة أنّ الدولة العبريّة لن تكون مستعدّةٌ للاصطياد في المياه العكرة الناجمة عن الطحشة الأميركيّة الآنفة الذكر إذا ما قُدِّر لنتائج لقاء اليوم أن تتعارض مع تطلّعاتها، وخصوصًا من جهة الحصول على ما يلزمها من تعهّداتٍ روسيّةٍ، سواءٌ بعدم إدراج مرتفعات الجولان المحتلّة في سياق التسوية المطروحة أم بإبقاء القوّات الموالية لإيران بعيدة عن حدودها الشماليّة، وهي التعهّدات التي من المستبعد تقديمها كاملةً من دون تقديم تعهّداتٍ إسرائيليّةٍ في المقابل، ليس في سوريا وحدها وحسب، وإنّما في الملفّ الشرق أوسطيّ برمّته أيضًا، وبما من شأنه الإسهام في الحدّ من استمرار الخلافات الجوهريّة بين الجانبين حول مسائلَ إقليميّةٍ مختلفةٍ، وعلى رأسها مسألةُ حلّ الدولتين في فلسطين التاريخيّة، ونظرةُ كلٍّ منهما إلى مستقبل دور "حزب الله" في الحياة السياسيّة اللبنانيّة.
على هذا الأساس، وبعيدًا عن أدبيّات لغة التخاطب الديبلوماسيّة المنمّقة، يصبح في الإمكان القول إنّ أبعد مدى يمكن أن تصل إليه نتائج لقاء بوتين – نتنياهو اليوم لن يتجاوز عمليًّا سقف تكريس التفاهمات القائمة أصلًا بين الطرفين بغية تجنّب احتكاكهما المباشِر في المجال الحيويّ السوريّ، حسب ما جرت عليه العادة خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية، وذلك في انتظار تبلور المزيد من العوامل ذاتِ الصلة بالتطوّرات المستجِدّة في ضوء تفعيل الدور العسكريّ الأميركيّ، بعد طول غيابٍ، في كلٍّ من العراق وسوريا، ولا سيّما أنّ القيادة الروسيّة تضع على رأس قائمة أولويّاتها في الوقت الحاليّ ضمان توفير المناخات اللازمة للإبقاء على متانة ركائز التحالف الذي يجمعها مع القيادتين التركيّة والإيرانيّة، الأمر الذي لا بدّ من أن تظهر نتائجه النهائيّة خلال الساعات والأيّام المقبلة، أي في أعقاب الاجتماعين الهامّين اللذين سيعقدهما الرئيس بوتين في موسكو مع كلٍّ من نظيريْه التركيّ رجب طيّب أردوغان نهار غدٍ الجمعة والإيرانيّ حسن روحاني في نهاية الشهر الحاليّ، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ المحافظة على متانة ركائز هذا التحالف الثلاثيّ هو الذي سيُحدِّد مسار إبرة بوصلة مفاوضات أستانة التي من المقرَّر استئنافها في وقتٍ لاحقٍ من الأسبوع المقبل، تمامًا مثلما سيُحدِّد أيضًا ما إذا كانت الأزمة السوريّة قد اقتربت بالفعل من خواتيمها السعيدة أم لا.
من هنا، وعلى رغم كلّ ما يُشاع عن أنّ أردوغان سيواجه في موسكو "تأنيبًا" بسبب التفافه على التفاهمات السابقة، سواءٌ عن طريق دخول قوّاته إلى مدينة الباب السوريّة أم من خلال لجوئه إلى افتعال التصعيد غير المبرَّر مع الشريك الإيرانيّ في المسائل الإقليميّة الحسّاسة، فإنّ أغلب الظنّ هو أنّ فحوى الكلام الذي يُتوقّع أن يسمعه غدًا لن يخرج عن سياق اللياقة الديبلوماسيّة، علمًا أنّ ثمّة تسريباتٍ شبهِ رسميّةٍ تحدّثت نهار أمس الأربعاء عن أنّ خلاصة الرسالة الروسيّة للرئيس التركيّ ستتمثّل في الإيحاء له بأنّ من يرغب في انتظار تبلور الموقف الأميركيّ حيال الملفّ السوريّ، فعليه أن ينتظر وحده لأنّ التطوّرات المرتقبة لن تنتظره، بمعنى أنّ موسكو عازمةٌ على وضع أنقرة أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا الانتظار، وإمّا الانضمام إلى العمليّة السياسيّة بسرعةٍ ووضوحٍ تحت سقفٍ روسيٍّ لأنّ التطوّرات المرتقبة يمكن أن تُفضي إلى مسارِ حسمٍ عسكريٍّ شبيهٍ بما جرى في حلب، ولكن تحت سقفٍ إيرانيٍّ هذه المرّة.
وفي ظلّ هذه الأجواء، تأتي الاتّصالات الجارية في الوقت الحاليّ بين العاصمتين الروسيّة والإيرانيّة بخصوص ترتيب جدول أعمال زيارة الرئيس روحاني لموسكو التي يُفترض أن تتمّ قبل نهاية هذا الشهر على شاكلة "صفعةٍ" يمكن أن تؤدّي إلى استفاقة الشريك التركيّ من غيبوبة الانتظار ويمكن أن تطرحه في الوقت نفسه أرضًا، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ أبرز ما ظلّ يجمع بين الروس والإيرانيّين من قواسمَ مشتركةٍ على مرّ السنوات السبع عشرة الماضية، أي منذ تسلّم الرئيس بوتين مقاليد الحكم في قصر الكرملين ولغاية اليوم، غالبًا ما بُني على أساس قناعةٍ مؤدّاها أنّ السياسة حرفةٌ، فيها ما يشاء المرء من فنّ الممكن، ولكنّها ليست في المحصّلة النهائيّة وجهةَ نظر، وذلك خلافًا لما وشت به تجلّيات السياسة التركيّة حيال الأزمة السوريّة، مثلًا، بدءًا من زمان جسر الشغور، مرورًا بزمان منبج، ووصولًا إلى زمان الباب.. وعسى أن يدرك الرئيس أردوغان فحوى الرسالة الروسيّة غدًا الجمعة، لكي لا يقال عنه في المستقبل إنّه ترامب الشرق الأوسط، ولكي لا توصد أمامه في المستقبل أيضًا كلّ الأبواب.