يعرف القادة العسكريّون في العالم أنّ التنبّؤ باقتراب موعد اندلاع الحروب الكبرى لا يحتاج عادةً إلى أكثر من مجرَّد إشارةٍ عابرةٍ من شأن تلقّفها بحنكةٍ وذكاءٍ تأهيلهم بسرعةٍ للبناء على الشيء مقتضاه، الأمر الذي ينطبق في الوقت الراهن على ما أطلقه قائد القيادة المركزيّة الأميركيّة الجنرال جوزيف فوتيل من تحذيراتٍ بشأن مخاطر التوتّر المتزايد بين الهند وباكستان على خلفيّة صراعهما المتوارَث أبًا عن جدٍّ حول إقليم كشمير، ولا سيّما أنّ الجنرال الأميركيّ الذي كان يتحدّث نهار أمس السبت أمام لجنة الشؤون العسكريّة في مجلس الشيوخ في واشنطن، ذهب في تقديره لخطورة الموقف بين الدولتين إلى حدّ التلويح بأنّ الوقائع الميدانيّة المسجَّلة على الأرض يمكن أن تتطوّر هذه المرّة إلى حربٍ نوويّةٍ شاملةٍ، بمعنى أنّ النتائج الكارثيّة التي يُفترض أن تنجم عن هذه الحرب ستكون بكلّ تأكيدٍ أشدّ فتكًا وتدميرًا من كافّة الحروب الدمويّة السابقة التي شهدها الإقليم المنكوب طيلة السنوات السبعين الماضية.
لا شكّ في أنّ تزامن إطلاق تحذيرات الجنرال فوتيل مع الإعلان عن اعتزام الأمين العامّ للأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريس دراسة إمكانيّة إجراء مباحثاتٍ مع مسؤولين من الهند وباكستان يؤشّر بدوره إلى مدى الخطورة الذي وصلت إليه الأوضاع في كشمير، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ موجة العنف الأخيرة التي عصفت بالإقليم في أعقاب مقتل قائد "حزب المجاهدين" الكشميريّ برهان واني على أيدي قوّات الأمن الهنديّة في شهر تمّوز من العام الفائت أدّت خلال الأيّام الثلاثة التي تلت إجراء مراسم دفنه إلى سقوط أكثر من مئة قتيلٍ وإصابة ما يزيد على أربعة عشر ألف شخصٍ بجروح، علاوةً على أنّها ما زالت تتفاعل على الجانبين الهنديّ والباكستانيّ لغاية الآن، الأمر الذي كان من بين تجلّياته الأخيرة مقتل صبيٍّ يبلغ من العمر خمسة عشر عامًا أثناء حملة مداهماتٍ قامت بها قوّات الأمن في قرية بادجامبورا التي ينشط فيها المسلّحون نهار الخميس الماضي.
ولكنّ السؤال الذي يطرح نفسه في ضوء ما تقدّم ذكره هنا من معطياتٍ عن الواقع الكشميريّ الحاليّ هو: هل تبدو هذه المعطيات المحلّيّة كافيّةً وحدها يا ترى لكي يبني عليها الجنرال فوتيل تقديره بشأن الحرب النوويّة المرتقبة أم إنّ ثمّة معطياتٍ محلّيّةً وإقليميّةً ودوليّةً أخرى تملكها المؤسّسة العسكريّة الأميركيّة حول ذلك الواقع ولم تكشف النقاب عنها بعد؟
في سياق الإجابة على هذا السؤال، لا بدّ من التوقّف قليلًا عند الأهمّيّة الاستراتيجيّة التي يحظى بها إقليم كشمير من حيث موقعه الجغرافيّ المتاخم لحدود أربع دولٍ في وسط وجنوب آسيا هي الهند وباكستان وأفغانستان والصين، الأمر الذي حوّله على مرّ التاريخ إلى نقطةِ تجاذبٍ، ومسرحِ تجاربٍ، ليس في مجال اختبارات القوّة المتبادَلة بين هذه الدول الإقليميّة الأربع وحسب، وإنّما في مجال اختبارات الردع الاستراتيجيّ المتبادَل أثناء اشتداد حمأة الحرب الباردة بين الولايات المتّحدة والاتّحاد السوفييتيّ أيضًا.
وإذا كان الشائع عن "خطّ الهدنة" المرسوم منذ عام 1949 هو أنّه يفصل ما بين الجزء الهنديّ الذي يسمّى "جامو وكشمير" وما بين الجزء الذي تسيطر عليه باكستان بطريقةٍ غير مباشِرةٍ تحت اسم "ولاية كشمير الحرّة" وعاصمتها مظفّر آباد، فإنّ ما ليس شائعًا جدًّا هو أنّ الصين أخضَعت مساحةً صغيرة من الإقليم لسيطرتها عام 1962، وذلك عندما كانت الخلافات العقائديّة متفاقمةً بين الرفاق الشيوعيّين، الماركسيّين – اللينينيّين في موسكو والماويّين في بكين، قبل أن يصار إلى فتح صفحةٍ جديدةٍ من العلاقات القائمة على أسس الاحترام المتبادَل والمصالح المشترَكة بين العاصمتين، وهي الصفحة التي ما زالت تزداد توهّجًا منذ تسلُّم الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين مقاليد الحكم في قصر الكرملين قبل سبعة عشر عامًا ولغاية اليوم.
من هنا، وطالما أنّ الصين والهند هما حليفتان لروسيا (إلى جانب كلٍّ من البرازيل وجنوب أفريقيا) في إطار "مجموعة البريكس" التي يعوِّل عليها الخبراء كثيرًا في الوقت الراهن لبناء أسسٍ جديدةٍ للاقتصاد العالميّ، على حساب الأسس التي بنَتها الولايات المتّحدة في غمرة نشوتها بالنصر الذي حقّقته في أعقاب تفكّك الاتّحاد السوفييتيّ، ولو إلى حين، يصبح في الإمكان التكهّن بفرضيّةٍ مؤدّاها أنّ الهدف من التحذيرات التي أطلقها الجنرال فوتيل بخصوص الحرب النوويّة المحتمَلة ربّما يتمثّل في توجيه رسائلَ مبطّنةٍ إلى بكين ونيودلهي على حدٍّ سواء، وخصوصًا في هذه الأيّام التي ما زالت إدارة الرئيس دونالد ترامب ترسم فيها خطط أولويّاتاتها في التموضع على الساحة العالميّة، وتُظهر التردّد تلو الآخر في وضع قائمةٍ تحدِّد هذه الأولويّات.
ولكن إلى أيّ مدى يا ترى يمكن أن تكون إدارة الرئيس الأميركيّ الجديد مستعدّةً لتحمّل تكلفة اندلاع حربٍ نوويّةٍ بين الهند وباكستان وهي التي ما زالت "تتململ" يومًا بعد يومٍ من تحمّل تكلفة الحفاظ على الأمن الأوروبيّ في إطار حلف شماليّ الأطلسيّ؟
سؤالٌ.. لا بدّ من أنّ الإجابة عليه يمكن أن تصبح أكثر سهولةً إذا ما توفّرت لدينا المعلومات الكافية لتحديد حجم الهوّة الآخذة بالاتّساع في الوقت الحاليّ ما بين البيت الأبيض وما بين البنتاغون حول آفاق وتطلّعات السياسات الخارجيّة الأميركيّة.. وحتّى ذلك الحين، فإنّ أغلب الظنّ هو أنّ أكثر ما سيحتاج إليه الأميركيّون، اليوم وغدًا وعلى الدوام، يتمثّل في ضرورة استحضار ما جاء على لسان حكيم الصين كونفوشيوس قبل خمسةٍ وعشرين قرنًا من الزمان عندما قال: "التعلُّم من دون تفكيرٍ جهدٌ ضائعٌ، والتفكيرُ من دون تعلُّمٍ أمرٌ خطير"... والخير دائمًا في استحضار هذا القول المأثور من وراء القصد!