لو لم يلجأ رئيس الجمهورية إلى المادة 59 من الدستور، ولو لم يستعمل حقه الدستوري في تعليق عمل مجلس النواب لمدة شهر، ولو لم يكن واضعو الدستور لحظوا هذه المادة في متنه، ولو لم يتلقف رئيس مجلس النواب الخطوة الدستورية بأخرى دستورية أيضًا، لكانت البلاد اليوم تعيش عن جدّ الذكرى الـ 42 لإندلاع شرارة الحرب في 13 نيسان من العام 1975، وما فيها من ذكريات أليمة، وما خلّفته من مآسٍ وويلات على كل صعيد وفي أكثر من مجال.
فلولا الدستور، الذي كان يسميه أبو الدستور الرئيس فؤاد شهاب "الكتاب"، لكانت البلاد اليوم في حال من الفوضى العارمة، ولكانت الأوضاع مفتوحة على مصراعيها على كل الإحتمالات الخطيرة، وذلك بعدما وصلت إلى نقطة بدت فيها العودة إلى الوراء شديدة الصعوبة، ولكانت دخلت في المجهول والمحظور، في الوقت الذي لا تزال ساحته على رغم ما يجري من حولنا من ويلات محصّنة ومتماسكة.
هل يمكن إعتبار ما حصل بالأمس وما سبقه من مواقف وصل منسوبها إلى حدود ملامسة خط التوتر العالي، وما كان يمكن أن يتبعه من تطورات على الأرض، مجرد "قطوع" ومرّ بسلامة، أو أن وراء الأكمة ما وراءها من نوايا مبيتة لا يزال جمرها متأججًا تحت رماد التهدئات والمسكنات الآنية.
فإذا لم تشهد فترة ما بعد الأعياد تزخيمًا جدّيًا لعمل اللجنة الوزارية المنبثقة من مجلس الوزراء برئاسة رئيس الحكومة وتضم وزراء من مختلف التيارات السياسية، وإذا لم يصار إلى وضع الحبر الأسود على الورق الأبيض، وإذا بقي كل طرف متمسكًا بما يراه مناسبًا له ولتياره السياسي، فإن هذا "القطوع" سيعود إلى الواجهة من جديد وسيعود التوتر إلى مربعه الأول، وسيعود الجميع إلى متاريسهم وأكياسهم الرملية، وستكون الطامة هذه المرة أكبر بكثير مما يمكن تصّوره.
قبل عودة الجميع للإحتكام إلى منطوق الدستور وإلى تحكيم العقل والمنطق، سمعنا كلامًا لو ردّدناه لإتهمنا بالممالقة، وعلى رغم ذلك سنردّده بثقة الواثق، لأن فيه من الحكمة وبعد النظر ما يتخطى الظرفية، زمنية كانت أم مكانية، وهو الذي دعا إلى الكفّ عن التشاطر والتذاكي على اللبنانيين، وتحدّى الجميع بأن يعلنوا إتفاقاتهم أمام الناس، وليس تسريبًا أو من تحت الطاولات أو من وراء ظهرور من منحوهم ثقتهم قبل التمديدين الأول والثاني، وكاد الثالث يوشك أن يطّل برأسه.
ولئلا ندع أنفسنا الإغالة في التشاؤم أو التشكيك بالنوايا والحكم المسبق على الآتي من الأيام، بإعتبار أن تجارب الماضي علمتّنا أن ننّفخ على لبن المشاريع الإنتخابية بعدما كوانا حليب كثرة المشاريع الفاشلة، فإن أمام جميع السياسيين فترة سماح لا تتعدى الثلاثين يومًا، مع حسم أيام الأعياد، لكي يخرجوا بقانون إنتخابي يشبه هذا الشعب الذي هو سيصوت بموجبه لمن يُفترض أن يمثله في الندوة البرلمانية وأن يكون صوته غير المسموع، وإلا سيكون أيار لناظره قريب.