يطل عيد العمال هذا العام، كالذي قبله.. وقبله من أعوام، خالياً من أجواء الفرح والتفاؤل المفترضة، ليس بسبب تغير هموم وقضايا وتطلعات العمّال، بل بفعل تراكمِ الأزمات الاجتماعية والحياتية والاقتصادية، وتعملق الفساد والهدر والمحسوبيات وغياب الفرص، وكل ذلك يضغَط على العامل في كلّ المجالات، ويجعل من العيد مناسبة للتحسر لا الاندفاع نحو مزيد من الانتاجية والتأثير.
كثيرة هي الملفات المتصلة بقضايا العمال وهموم الكادحين وقد فشلت الحكومات المتعاقبة في التعامل معها بمنطق متوازن، من سلسلة الرتب والرواتب المعلقة منذ سنوات في سوق المزايدات، إلى ضيق سوقِ العمل وتداعيات التضخم وتراجُع قدرةِ المؤسسات على التوظيف، ناهيك المنافسة المفروضة وغير المتوازنة التي يتعرّض لها العامل اللبناني من قبَل غير اللبنانيين في بعض القطاعات.
كل هذه الأزمات لم تجر مواكبتها بسياسات عمل عامة تطرح خططاً رؤيوية لتنظيم سوق العمل، وتوازن بين الإمكانات والاحتياجات، وتقدم سبل الدعم ومقومات الصمود للعامل والمزارع والصناعي والحرفي والصياد للإبقاء على الحركة العمالية قائمة ومتعافية، فالشق المتعلق برعاية الدولة للقطاعات العمالية ليس بأحسن حال من المؤسسات المنتجة نفسها، كما هي حال صندوق الضمان الاجتماعي، وملفات المتعاقدين والمياومين ومقدّمي الخدمات، وتقلص المنح والقروض الميسرة والمشاريع المدعومة، وغياب قوانين الحماية من تعسف أرباب العمل... كلّ هذه العوامل رَفعت نسَب البطالة في لبنان الى أرقام قياسية غير مسبوقة، وعمّقت الأزمة الاجتماعية والحياتية، وزادت معدلات التضخم، فحوّلت الذكرى إلى محطة قلق على الحاضر وخوف من المستقبل.
وللأزمة وجوه أخرى تجسدها غياب الحركة النقابية والعمالية التي كانت في السابق قادرة على الضغط على السلطة وفرض التغيير، لأنها كانت تنبع من صميم الحالة الكادحة، وتعكس نبضها وضميرها، وليست أذرعاً لأهل السلطة، وأدوات على هامش الأحزاب، فساهمت، عن سابق تصور وتصميم، في تحويل الطبقة العاملة إلى شبح وذكرى.
السلطة وأركانها المتعودون على تدبيج أجمل عبارات المعايدة للعمال في عيدهم، منشغلون حتى الثمالة بجنس ملائكة قانون الانتخاب، ليس القانون الذي يحقق صحة وعدالة التمثيل ويفتح باب تطوير الحياة السياسية والتداول على السلطة، بل ذلك الذي يؤبّد وجوهم ويحمي مصالحهم، ويقطع الطريق على أي تطوير في الحياة السياسية.. ما بين احتمالات جلسة مجلس الوزراء الخميس المقبل، وعقد جلسة مجلس النواب في 15 أيار.. تطوى كل الملفات والهموم، سوى تأمين مخارج للتمديد لهذه السلطة.. وهم بسبب هذه الاهتمامات الكبرى غير قادرين على مواكبة هموم المواطنين "الساذجة" ولا تطلعات العمّال والطبقات المحتاجة.
في عيد العمال، وفي كل المناسبات والمحطات التي تعيد التذكير بأن للانسان قيمة، وأن للمواطن حقوقاً، وبأن للدولة دوراً ووظيفة، على الجهات المعنية بتطوير الحياة العامة الانتباه بأن ثمة تنوعاً وتعدداً هائلاً يحتاج عالم اليوم طارحاً تغييرات جوهرية في معاني وأنماط وأشكال العمل، والانتاج، والتكامل، وكل ذلك من لوازم التغيير نحو الأفضل.. وهو الأمر الذي لا يستحقه إلا العاملون الحقيقيون.