من دون أي شكل من أشكال العنصرية، أو ما يُشتّم من كلامنا بأن فيه بعضًا من تعصّب وتمييز، ومن دون الدخول في جدلية التأثيرات السلبية للنزوح السوري على وضعية لبنان الإقتصادية والإجتماعية، لا بدّ من التوقف عند معاني عيد العمل، الذي لم يحتفل به سوى من هو عامل، مما يعني أن جميع العمال الموجودين على الأراضي اللبنانية، ومن بينهم بالطبع العمال السوريون، احتفلوا بهذا العيد فيما كان العمال اللبنانيون العاطلون عن العمل يتفرجون ويتحسرون...
يتفرجون على مسرحية كان مفترضًا أن يكونوا هم أبطالها فأصبحوا مجرد مشاهدين سلبيين يكتفون برؤية بلادهم تذوي، وهم غير قادرين على تقديم كأس ماء باردة لمن يحتاجها، بعدما تمّ الإستغناء عن خدماتهم، وقد حلّ مكانهم من لا يدفع ضريبة ويعمل من تحت الطاولة وبأجر أقلّ من أجر اليد العاملة اللبنانية.
أما التحسّر فهو على ما آلت إليه أوضاعهم التعيسة بعد كل هذه الفوضى الناتجة عن مزاحمة "الغرباء"، وعذرًا على التعبير، الذي لا يُقصد به أي إهانة أو التقليل من شأن أي إنسان، لأبناء البلد على لقمة العيش، من دون أن يكون للمسؤولين اللبنانيين أي ردّة فعل لحماية حقّ اللبناني في الحصول على فرصة عمل بكرامة ومن دون أن يضطّر على "تبوييس" الأيدي من أجل الحصول على عمل لردّ شبح الجوع والعوز عن عياله.
في عيد العمل أو العمال بدت الأرقام التي تتحدث عن نسبة البطالة في لبنان، وبالأخص لدى فئة الشباب الجامعي، مخيفة وغير معقولة وغير مقبولة، إذ يجد هؤلاء الشباب أنفسهم أمام أبواب السفارات للحصول على "فيزا" إلى أي بلد آخر تفتيشًا عن فرصة لإثبات مهاراتهم واستثمار قدراتهم في أي حقل من حقول العمل المنتج.
هكذا احتفل لبنان بعيد العمل، الذي فقد معانيه بفعل غياب الرؤية الإقتصادية المجدية، وبفعل تلهي المسؤولين بأمور غير ما يعود بالنفع على إقتصاد البلد ونموه وخلق فرص عمل جديدة، وهم غير قادرين على الإتفاق على "ألف باء" أي قانون للإنتخابات، وهو الحدّ الأدنى المطلوب منهم، أقلّه إنسجامًا مع الصفة التي تميزهم عن غيرهم من الناس العاديين، وهي صفة "المسؤولية"، مع ما تعنيه كمفهوم عام متعارف عليه، وهي صفة تفرض على الذين يتمتعون بها، بغض النظر عمن يستحقها ومن لا يستحقها، التعاطي بكل ما له علاقة بهموم الناس بشيء من الحكمة والموضوعية والشمولية، بعيدًا عن أي مصلحة خاصة تتعارض مع المصلحة العامة.
وحدهم العمال اللبنانيون لم يحتفلوا بعيدهم لأنهم أصبحوا من دون عمل، وتحولوا من عمال إلى باحثين عن عمل يسبقهم إليه الآخرون.