حتى أعلنها الرئيس نبيه بري، كان الاعتقاد سائداً أنّ الفراغ خط أحمر ولن يقبل الثنائي الشيعي ببلوغه. ما كان ممكناً مع كرسي الرئاسة الأولى، بدا في لحظة معينة مستحيلاً مع كرسي الرئاسة الثانية وسلطتها التشريعية. حتى أنّ هناك من قال صراحة إنّ الثنائي الشيعي أبلغ رئيس الجمهورية رفضه لهذا الخيار، واضطراره لتجرع كأس التمديد لمرة ثالثة فيما لو فشلت مساعي انتاج قانون انتخابي... ولكن الفراغ "حرام" لن يقبل به أي من الحليفين الشيعين!
حتى أيام خلت، كانت هذه القاعدة سارية المفعول، الى أن قرر "حزب الله" والرئيس بري تغيير قواعد اللعبة. يبدو جلياً أنّ الثنائي الشيعي شعر بأنّ كرة التمديد الحارقة رميت في ملعبه بعدما تحوّل الرئيس سعد الحريري الى ضفّة مسايرة الرئيس ميشال عون والفريق العوني من خلال "انقلابه" على التمديد وإعلان رفضه الانضمام الى جبهة رافعي الأيدي لقانون إبقاء الواقع على حاله، ولكن من دون أن يحسم قرار مشاركته في الجلسة او ذهابه الى حدّ المقاطعة أسوة بـ"التيار الوطني الحر" و"القوات".
وبعدما كان الرئيس الحكومة من محور متقبّلي "سيء" التمديد على "أسوأ" الفراغ، انتقل فجأة الى مقلب رافضي هذه الكأس، وكأنه يحوّل التمريرة الى الحليفين المسيحيين، فيترك الثنائي الشيعي وحيداً في هذا الملعب.... الأمر الذي دفع الرئيس بري، بالتضامن والتكافل مع الضاحية الجنوبية، كما تقول المعلومات الى تغيير الاستراتيجية.
خلال الساعات الأخيرة، تبلّغ أكثر من فريق سياسي أنّ الثنائي الشيعي أسقط سيناريو التمديد من حساباته، وما كان متوقعاً ومسموحاً كل الفترة الماضية، صار ممنوعاً راهناً. سحب الرئيس بري الكرة من ملعبه ورماها عند الآخرين: تريدون الفراغ، تفضلوا اليه!
يعرف الجميع أنّ الثنائي الشيعي لا يخشى الفراغ، ودفاعه عن التمديد ليس حباً به ولا خشية من السيناريو النقيض. كل ما في الأمر هو عدم رغبته تسجيل سابقة الفراغ في مجلس النواب، ولكن فيما لو أراد الآخرون استخدام هذه الورقة للضغط عليه، فهو لن يتوانى في اللجوء اللعبة المضادة.
الفراغ يعني تعطيل البلد، وتالياً كل المؤسسات الدستورية، سواء بالنص أو بالممارسة. تفيد المعلومات إنّ الثنائي الشيعي لن يتفرج على مجلس النواب معطلاً ويترك الحكومة "شغالة" وكأن شيئاً لا يحصل. هناك الكثير من الوسائل التي تسمح له بتعطيل مجلس الوزراء وقد لا يتردد في استخدام أحدها.
يعرف أيضاً أنّ الفراغ لا يعني أبداً حل مجلس النواب وتالياً استخدام المادة 25 من الدستور التي تفرض اجراء الانتخابات بعد شهر. الفراغ يعني العودة الى نقطة الصفر أو البداية: المؤتمر التأسيسي. والشيعة ليسوا هم من يخشون هذا الاحتمال.
واذا كان سعد الحريري قد نفذ انقلاباً كاملاً لانتخاب ميشال عون بحجة حماية "الطائف" من رياح التغيير الحاصلة في المنطقة، فهل سيتجرأ على السير بسيناريو الفراغ؟
هكذا، صارت البلاد وفق المتابعين أمام واحد من احتمالين لا ثالث لهما: اما التفاهم على قانون انتخابي يؤمن مصالح القوى الحاكمة جميعاً، وهنا سيكون لرئيس الجمهورية الدور البارز في تطريز هذا التفاهم... واما الفراغ المفتوح على احتمالات لم تكن حتى الأمس القريب في الحسبان!