ليس فقط ملايين الفرنسيين من تابعوا المناظرة الساخنة بين المتنافسَين المرشح الوسطي إيمانويل ماكرون ومرشحة اليمين المتطرف مارين لو بان، بل العالم أجمع شهد أعنف المناظرات التلفزيونية في تاريخ التسويق السياسي الفرنسي، بين خصمين متباعدين في كلّ الرؤى الإستراتيجية، السياسية والإقتصادية.
لوبان حافظت عل أسلحتها التي استخدمتها منذ بداية حملتها، وصوبتها بشكل مركّز باتجاه ماكرون، مستغلة تعرض فرنسا لسلسلة من الهجمات الإرهابية، من قبل إسلاميين متشددين، لتتهم خصمها بالتساهل مع الأصلية الإسلامية على حساب أمن فرنسا. وماكرون رد التحية بأحسن منها متهماً لوبان وحزبها المتطرف بعزمهما نقل الحرب الأهلية إلى فرنسا، "لأن مكافحة الإرهاب لا يعني الوقوع في فخ الحرب الأهلية"، موضحا أن لديه استراتيجية لمكافحة الإرهاب.
نتائج هذه المناظرة واقتناع الفرنسيين بأحد المشروعين تترجم بعد أيام في صناديق الإقتراع . فمن خرج منتصراً من المناظرة؟ وهل تقلب هذه المناظرة الحاسمة كلّ التوقعات وتأتي بلوبان رئيسة لفرنسا؟
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية والباحث الإستراتيجي الدكتور وليد عربيد وفي توصيفه لمسار المناظرة رأى في حديث لـ "لبنان 24" أنّ ماكرون خرج منتصراً من المناظرة وحصل على نقاط لصالحه، لأنه أثبت أنّه رجل دولة ورجل ملفات، رغم محاولات لوبان حرق أعصابه، فقد حاولت إيقاظ الشعبويين أو المترددين الذين لم يحسموا قراراهم بعد، ولكنّها ظهرت غير قادرة على إدارة الملفات. أمّا سلاح الإرهاب الذي أعادت استخدامه لم تحرج به خصمها بالحجم الذي أرادت، كون الإرهاب معضلة تواجه الجميع ولا أحد يمتلك القدرة على اجتثاثه بهذه السهولة، كما أنّ ماكرون يمتلك مشروعاً لمواجهة الإرهاب. كما أنّ ماكرون تحدث عن تخفيض نسبة البطالة، وإيجاد حلول اجتماعية والإهتمام بذوي الإعاقة.
وأضاف عربيد: "على رغم أنّ الخطاب الشعبوي يلاقي ترحيباً من بعض أصوات الشباب والعمال في فرنسا، إلاّ أن هؤلاء قد يتوجهون للإقتراع بورقة بيضاء وليس التصويت للوبان، ورهان لوبان أن تصل إلى حدود الإنتصار السياسي وليس الإنتخابي بالحصول على 45 % من الإصوات ، بمقابل 55 % لصالح ماكرون وهذا ما يعدّ انتصاراً لها داخل حزبها. ومن هنا تعمل لجذب اصوات اليمين المتطرف والشعبوي".
موضوع أوروبا ومنطقة اليورو أخذ حيزاً من المناظر وسط تناقض الرؤى "فظهرت لوبان بالإصرار على خروج فرنسا من منطقة اليورو لا تملك سياسة اقتصادية بديلة، وعززت الهواجس من حصول أزمة اقتصادية".
ووفق مقاربة عربيد "خيّبت المناظرة آمال اليمين المتطرف، وماكرون يتجه بحذر نحو رئاسة الجمهورية .ويبقى القول إنّ الفوز مؤمن لماكرون، لاسيّما وأنّ سياسة لوبان تثير هواجس شريحة كبيرة من المجتمع الفرنسي . كما أنّ العديد من الإحزاب والمرشحين طلبوا بعد إنتهاء الجولة الأولى من مناصريهم التصويت لصالح ماكرون لقطع الطريق أمام لوبان ".
وأضاف عربيد أن الإنظار تتجه إلى 20 % من الناخبين المترددين "وأعتقد أنّ الشعب الفرنسي حسم خياره بإنتخاب ماكرون ، ولو أنّ شريحة كبيرة منه غير مقتنعة بالبرنامج الإصلاحي الذي طرحه ماكرون . وهنا يطرح سؤال عن النكسة التي منيت بها الإصطفافات العامودية للأحزاب من يمين ويسار " .
أيام حاسمة تفصل فرنسا عن استحقاقها الرئاسي الأحد المقبل ، الذي وُصف بأنه أهم استحقاق تشهدها فرنسا منذ عقود ، لما لفوز أحدهما من تداعيات ليس على فرنسا فحسب بل على القارة العجوز والعالم.