حتى الساعة لم تفلح القوى السياسية في لبنان في التوصل الى قانون انتخاب جديد، مستمرة في لعبة القفز فوق المهل والتحايل على النصوص الدستورية، غير آبهة للنتائج التي ما فتئت عند كل مناسبة بالتذكير بسلبياتها على الوضع اللبناني ونظامه. ربما تكون افلحت في اقناع ما تبقى من قواعدها الشعبية بصدق نواياها، الا أن ما هو مؤكد ان الشريحة الاكبر من اللبنانيين باتت غير مقتنعة بصدق النوايا ولا بجدية تلك القوى في العمل على اجراء انتخابات نيابية وفق قانون انتخاب جديد ينسجم واتفاق الطائف ويمثل في آن طموحات الشعب اللبناني بكل شرائحه، ودلالات ذلك كشفتها الطروحات والطروحات المضادة لمشاريع قانون الانتخاب التي يسعى من خلالها كل فريق الى تسجيل هدف في مرمى الفريق الآخر بشكل يقطع عليه أي طريق نحو تحقيق أي ربح عليه أو تسجيل خسارة في مرماه.
قد يحمل المشهد في ظاهره صراعاً بارداً ذا طابع سياسي بين مجموعة من القوى التي تسعى اقله للمحافظة على حدود حجمها السياسي في البلد، في حين أن حقيقة الصراع الداخلي البارد ليس سوى صراع بمنطق طائفي نافر، لم تخف بعض القوى ابرازه من منطلق "تحصيل" حقوق الطائفة لا بل اكثر، "استرجاع" حقوق الطائفة ضاربة بذلك عرض حائط "اتفاق الطائف"، الذي وُضع ليكون الضابط الرئيس لايقاع التوازنات الطائفية، والذي من خلاله تمارس القوى السياسية المنتمية إلى هذه الطوائف اللعب السياسي بحرية ضمن حدود التوازنات وفق اسس ديمقراطية عمادها "المناصفة" المتلازمة مع صيغة العيش المشترك.
ربما يجد البعض أن في ذلك صراعاً مشروعاً ومقّنعاً طالما ادوات "الكباش" فيه ما زالت عند حدود وبيد اصحاب "ربطات العنق"، الا أن الممارسات لبعض القوى السياسية توحي بأن الامور تذهب في اتجاهات خطرة لن تسلم منها صيغة وثيقة "الوفاق الوطني – الطائف" من التحريف عن مسارها والذهاب بها ابعد نحو مزيد من التطييف، وفق قاعدة تعيد النظر في التوازنات الطائفية والصلاحيات مع المحافظة على شكل الحصص، وربما خير مثال على ذلك ما حصل مؤخراً من "تعليق" لجلسات مجلس الوزراء اللبناني الى حين التوافق على قانون انتخاب جديد والذي جاء تبعاً لقرار تعليق رئيس الجمهورية ميشال عون جلسات مجلس النواب مدة شهر واحد سنداً إلى المادة 59 من الدستور، ثم قرار عودة عمل مجلس الوزراء لمناقشة عدد من البنود وعلى رأسها قانون الانتخاب، وذلك من بوابة بعبدا حيث تفاجأ الرئيس الحريري بعد صمت طويل بـمنحه "فرصة" ترؤسها بطلب من الرئيس عون نظراً لاضطرار الاخير للمغادرة، فكان أن شكر الحريري الرئيس عون على منحه له ومنح مجلس الوزراء "الثقة" المفقودة، مستكملاً ذلك بتدوين الشكر والتنويه في محضر الجلسة، مطيحاً بذلك بكافة النصوص الدستورية الناظمة لعمل مجلس الوزراء ورئيسه وصلاحياتهما.
لا شك في أن ما تشهده المرحلة الراهنة من استهانة بعض القوى السياسية لمسألة "فرملة" العمل ببعض النصوص الدستورية أو التنازل عن الصلاحيات الممنوحة لها أو حتى التخاذل امام الاستحقاقات الدستورية، كل ذلك يؤكد على وجود توافق ضمني على "عدم التوافق" على تمرير أي ملف بما فيه قانون انتخاب جديد طالما من شأنه أن يرجّح كفة قوة النفوذ والتمثيل السياسي على قوة النفوذ والتمثيل الطائفي.
ولكن امام هذا الواقع تطرح علامة استفهام كبيرة حول مدى ارتباط الفرملة الحاصلة في الدخل اللبناني حالياً، وبخاصة على خط قانون الانتخاب برياح التغيير الخارجية التي يجري العمل على بلورة صورتها خارجياً انطلاقاً من الملف السوري؟
في اجابة واضحة عن هذا السؤال لا بد من العودة الى التسوية التي اوصلت الرئيس ميشال عون الى سدة الرئاسة بعد عامين ونصف من المراوحة والفراغ، والتي تكّشفت في ما بعد أنه لم يكن طبخها بعيدا عن الاصابع السعودية والايرانية وفق تصريح جاء به وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف على هامش مؤتمر دافوس الاخير. هذا الحل لم يكن سوى استكمال تنفيذ لقرار دولي يعتبر "الاستقرار" في لبنان مسألة جوهرية بحيث لا يجوز زعزعته أو الاخلال به. من هنا بدأ الحوار بين تيار "المستقبل" و"حزب الله" تحديداً من باب الحاجة والضرورة لحماية هذا الاستقرار، واليوم توسع بيكاره في اتجاهات بعيدة وصلت الى حدود ذوبان البعض في التسوية في ظل استمرارهم في تقديم التنازل تلو التنازل تحصيلا لنفوذ سياسي غير مضمون النتائج.
من هذا المنطلق، يبدو أن المشهد اللبناني مستمر في حالة الفرملة طالما الاستقرار الامني ملازم لوضعه الداخلي، وطالما لم تتكشف بعد خريطة التسوية النهائية للمنطقة، الا أن هذا المشهد لن يستمر وقتاً طويلاً والضغوطات ستزداد من حوله، خاصة أن الميدان السوري مرشح لمزيد من التأزم في ظل ارسال ايران مستشارين ومقاتلين للقتال الى جانب النظام السوري، ترافق ذلك مع تصريحات للاخيرة جاءت على خلفية الضربات الاميركية في سوريا حذرت فيها من "الاقدام على أي خطوة عدائية ضد سوريا، التي ستؤدي حكما الى تفاقم الازمة وتوسيع نطاق الحرب"، في المقابل رفعت المملكة العربية السعودية من سقف الهجوم على ايران على لسان وزير دفاعها الامير محمد بن سلمان الذي استبعد اجراء حوار مع ايران، معتبراً أن الصراع على النفوذ بين بلاده وايران يجب أن يحدث في ايران وليس في السعودية".
(ميرفت ملحم - محام بالاستئناف)