فيما يُغرق الدخان الكثيف المنطقة العربية في مجهول أسود حدّ أن صار الأفق سراباً يمتهن وأد الأمل...وفيما تُمعن النيران المتأججة في التهام الأرض حتى محت حدوداً ورسمت أخرى على صفائح مُرجّحة للانفجار في أي وقت...ووسط كلّ الصخب الذي يدفع بسكان هذه الأوطان وحكامها إلى الجنون او التشرّد حفاة الأقدام... وفيما يسافر الشرق الأوسط إلى الماضي، خلافاً لإرادة شعوب حلمت بحجز مقعد لها في قطار التقدّم...
فيما يحدث كلّ هذا، يصرّ "بيت المستقبل" على اجتياز حدود البؤس والعدم وصولاً إلى تبديد الغيم القاتم في سماء يريدها في لقاء دائم مع قوس قزح يحاكي طموحات الإنسان العربي وتطلعاته.
هنا، في "سرايا بكفيا" حيث مقرّ مؤسسة "بيت المستقبل"، إطلالات دائمة ومتواصلة على يوميّات المنطقة الغارقة في فوضى وضجيج وعبث، بكلّ ما تحمله حروف الفكر من هدوء وعزيمة وطموح. منذ العام 1975، تاريخ تأسيسه ولغاية اليوم، ما انفكّ هذا الصرح الذي حجز منذ بدايته مكانة في طليعة مراكز الأبحاث والدراسات في لبنان والشرق الأوسط، يواكب التطوّرات الحاصلة، وهدفه الأول والرئيس هو "الإنسان"... الإنسان الذي يحيا على المواطنة، ويعيش في سلام، ويتنشق الحرية.
لكنّ هذا الشرق ومعه لبنان، راح يعيش كسوفاً للحضارة وخسوفاً للسلام، فاشتعلت حروب وسالت دماء وتغيّرت ملامح. ومع هذا، انطلق "بيت المستقبل" في خضمّ أزمات وظروف صعبة فرضتها الحرب اللبنانية، فصار من أهدافه أيضاً، إلى جانب تنمية الإنسان، وقف الانحدار والانزلاق المتمادي في القعر، والعمل على إرساء الاستقرار وثتبيت الديمقراطيات والحريات.
وعلى رغم التغييب القسري الذي أدّى إلى إغلاق "بيت المستقبل" لسنوات، بقيت الشمعة الذي أشعلها منذ انطلاقته مضاءة، لتشعشع مجدداً مع عودته في العام 2015. ومن هناك، سلسلة من المؤتمرات والندوات واللقاءات الفكرية أقامتها المؤسسة، ومن ضمنها تلك التي اكتسبت أهمية بالغة لكونها غاصت في الماضي محاولة استشراف المستقبل وصوغه بحبر السلام والأمل، مثل مؤتمر "بعد العاصفة، الديمقراطية والتنمية في الشرق الأوسط"، مؤتمر حول مشروع مارشال للعالم العربي، و"مئة عام على اتفاقية سايكس- بيكو: نظام جديد للشرق الأوسط؟"، وصولاً إلى المؤتمر المرتقب في 17 و 18 أيار الحالي والذي سيحمل عنوان "حدود الطموحات...التدخلات الخارجية ومنظمومة الدول في الشرق العربي: التحديات، الاصطفافات، التوقعات".
في حديث خاص لموقع "لبنان24"، يلفت الرئيس أمين الجميّل إلى أنّ "هذا المؤتمر ليس إلا تكملة لسلسلة من المؤتمرات نظمتها وأقامتها مؤسسة "بيت المستقبل" بهدف مواكبة التطوّرات الحاصلة ومحاولة وضع أسس لمستقبل ينعم بالسلام ويعيش فيه الانسان بكرامة وحرية.
ما المقصود بـ "حدود الطموحات"، وما هي أهداف المؤتمر؟
لا يمكن لرئيس بيت المستقبل إلا أن يبدأ بالبعد الأول الذي يطال "الإنسان". كيف لا، وجوهر عمل المؤسسة يقوم على مفاهيم ثلاثة: الحوكمة الرشيدة، التربية والتنمية، وهي نطاقات متكاملة ومتلازمة تحددّ "أي إنسان نريد لهذه المنطقة".
يشرح الجميّل:" انطلاقة ما يُسمّى بـ "الربيع العربي" كانت إيجابية جدّاً، وبيّنت أن طموحات الإنسان العربي كانت كبيرة إلى حدّ أن اسقطت أنظمة ما كان أحد يظنّ أو يتوقع بأنها قد تنهار أو تسقط بهذا الشكل. لكنّ هذا "الربيع" جنح عن أهدافه المعلنة، وتبيّن أنّ ثمة حدوداً للطموحات والإنجازات. من أين أتت هذه الحدود ولماذا، هذا هو ما سيبحث المؤتمر فيه محاولاً اجتراح حلول ووضع أفكار قادرة على تحقيق الأحلام، لا تحويلها كوابيس مدمرّة".
وبرأي الجميّل، فإن "الربيع العربي" لم يوصل الإنسان العربي الى واحة طموحاته وتطلعاته، لسببين، اّولهما غياب الأسس الثلاثة التي يرفعها بيت المستقبل شعاراَ وخارطة طريق (الحوكمة الرشيدة، التربية والتنمية)، معتبراً انّ السؤال الأساسي المتمثل بـ "أي انسان نريد" بات مطروحاً اليوم أكثر من أي وقت مضى مع تصاعد الأصولية الإسلامية المتطرفة وصعود أمثال داعش والنصرة وغيرهما ممن يرفضون الآخر ويعملون على زجّ المجتمعات في أقبية مظلمة على كلّ الأصعدة الفكرية والسياسية والثقافية...
وقال الجميّل:" يجب أن نضع حدّاً للأصولية المتفلتة، وللأسف فإننا بتنا نشهد محاولات لضبط الحريات باسم الأمن والاستقرار، والأخطر هو معالجة الخطر بخطر أكبر منه، فمثلاً باسم محاربة داعش ثمة من يعطي الشرعية للنظام السوري الذي تفوّق بجرائمه على الحركات الأصولية".
وأما البعد الثاني فيتعلّق بتفلّت الحدود الاستراتيجية، وسوف يحاول المؤتمر تسليط الضوء على "حدود طموحات" الدول المتناحرة وتلك المعنيّة بالحروب الدائرة في المنطقة. وبرأي الرئيس الجميّل "فإن ثمة تناحراً بين هذه البعدين، أي بين حدود طموحات الإنسان العربيّ، وحدود طموحات الأنظمة والدول الاستراتيجية، وللأسف فإن هذه المصالح الاستراتيجية التي تدعي خدمة الانسان والديمقراطيات تأتي على حساب البعد الإنساني".
وعليه، يتوقف المؤتمر على دور المواطن العربي، كما على دور الأنظمة والجهات الاستراتيجية، مستوعباً كلّ تلك التعقيدات والتناقضات من خلال وجهات نظر وطروحات مختلفة تقّدمها مجموعة نخبوية من الباحثين والمعنيين.
وتبرز أهمية المؤتمر السنوّي الثالث لـ "بيت المستقبل" في جمعه شخصيات فكرية وسياسية من كبريات مراكز الأبحاث في الشرق الأوسط والعالم، ولا سيّما من الدول المعنيّة بالصراع في المنطقة مثل روسيا والولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وايران. ويمتدّ المؤتمر على يومين متتاليين، حيث تقام خمس حلقات نقاش، إضافة إلى الجلسة الافتتاحية التي تحمل عنوان "الشرق العربي في عالم بقيادة جديدة: بين الخارطة الجديدة والذهنية الجديدة"، والتي تتناول مسألة الحديث عن ترسيم الحدود في المنطقة والإرباك الحاصل مع ظهور قيادة جديدة غير مألوفة "للدولة العظمى الوحيدة".
وتنطلق الجلسة الأولى تحت عنوان "إيران في أعقاب الاتفاق النووي، ضوء أخضر أم احتواء" ، لتتطرّق الجلسة الثانية إلى دور الجانب الروسي في الحرب السورية (روسيا في سوريا: عودة للحرب الباردة أم تفويض ضمنيّ). وإلى صلب معاناة الدول العربية في الجلسة الثالثة تحت عنوان "أزمة الدولة العربية: التدخل الخارجي داء أم دواء". ولأن لبنان ليس على هامش كلّ ما يحصل، تبحث الجلسة الرابعة في مستقبله في ظلّ أعباء الحرب السورية، فهل من سبيل لتحصينه إزاء الانهيار؟ ويُختتم المؤتمر بجلسة خامسة بعنوان "دول وحروب: مقاربات مقارنة، تصورات الحل والاستعصاء وملامح الدولة الجديدة".
يقرّ الرئيس الجميّل بأن التعقيدات في المنطقة كبيرة الى حدّ أن ليس بوسع مبادرة واحدة احداث التغيير المرجوّ. لكنه، بكل تواضع وثقة، يلفت إلى أنّ ما يقوم به "بيت المستقبل" وما يطرحه من مبادرات يزيح الضباب لتحلّ ومضات أفق نيّر. وتوازياً مع الحديث عن "الطموحات"، يؤكد الرئيس الجميّل أن "طموحاتنا كبيرة، رغم الإمكانات الضئيلة. طموحاتنا التي تسلّحنا بها فما استسلمنا ولا مللنا، جعلتنا في طليعة مراكز الأبحاث في المنطقة ومحطّ أنظار النخب وروّاد الفكر وكلّ حالم بمستقبل تحكمه لغة الحوار والاعتدال، ولا تقيّده حدود التقوقع والجمود".