ربّما كان من قبيل الصدفة أنّ يتمّ الإعلان عن الاقتراح الخليجيّ الخاصّ بالتطبيع مع الإسرائيليّين بعد مرور يومٍ واحدٍ على الذكرى السنويّة التاسعة والستّين للنكبة في فلسطين التاريخيّة، بحيث يصبح في الإمكان القول إنّ "ربّ صدفةٍ خيرٌ من ألفِ ميعاد"، ولكنّ الأمر الذي لا يمكن أن يخضع للجدل هو أنّ تزامُن هذا الإعلان مع التحضيرات الجارية على قدمٍ وساقٍ للجولة الخارجيّة الأولى التي يعتزم الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب القيام بها اعتبارًا من نهاية الأسبوع الحاليّ في كلٍّ من السعوديّة وإسرائيل والفاتيكان لم يأتِ بمحض الصدفة، ولا سيّما أنّ المنطق السليم يحتّم القول هنا إنّ الاقتراح المذكور سيُناقَش من دون شكٍّ خلال القمّتين الخليجيّة والإسلاميّة اللتين سيحضرهما الرئيس ترامب في الرياض، قبل توجّهه لاحقًا إلى القدس وبيت لحم للخوض في تفاصيله هناك.
وبحسب ما نقله موقع "سبوتنيك" الروسيّ عمّا نشرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيليّة في عددها الصادر اليوم الثلاثاء، فإنّ "دولًا خليجيّةً صاغت اقتراحًا يقضي بتطبيع العلاقات مع إسرائيل في حال قيام حكومة بنيامين نتنياهو ببوادرَ إيجابيّةٍ تجاه الفلسطينيّين، من بينها تجميد البناء الاستيطانيّ في أجزاءَ من الضفّة الغربيّة، وتخفيف القيود على التجارة في قطاع غزّة"، وذلك وفقًا لمعلوماتٍ نُقلت بدورها عن تقاريرَ صحافيّةٍ أميركيّةٍ تحدّثت عن أنّ تفاصيل هذا الموضوع وردت في وثيقةٍ تمّ إعدادها إثر نقاشاتٍ أجرتها المملكة العربيّة السعوديّة والإمارات العربيّة المتّحدة مع عددٍ من دول المنطقة، وتتضمّن ما يُشبه خارطةَ طريقٍ بخصوص خطواتٍ يمكن الإقدام عليها إذا ما التزمت حكومة نتنياهو بتفعيل العمليّة السلميّة، من بينها "إقامة خطوطِ اتّصالٍ مباشِرةٍ بين إسرائيل وعددٍ من الدول العربيّة، والسماح للطيران الإسرائيليّ بالتحليق في أجواء دول الخليج، وإزالة القيود على التجارة مع إسرائيل"، بالإضافة إلى دراسة المزيد من الخطوات التي تشتمل على جرعاتٍ سخيّةٍ أخرى في مجال التطبيع، مثل "منح تأشيراتٍ للرياضيّين ورجال الأعمال الإسرائيليّين الذين يرغبون في زيارة الخليج".
لا شكّ في أنّ أكثر ما يبدو لافتًا هنا، وعلاوةً على ما تقدَّم ذكره بخصوص تزامُن الإعلان عن الاقتراح الخليجيّ مع التحضيرات لجولة الرئيس ترامب الخارجيّة الوشيكة، يتمثّل بالدرجة الأولى في أنّ إطلاق التسريبات الصحافيّة الأميركيّة تزامَن أيضًا مع موعد دخول وليّ عهد إمارة أبو ظبي الشيخ عبد الله بن زايد إلى البيت الأبيض للقاء سيّده الجديد، أي سيّد البيت، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ كافّة التصريحات الرسميّة التي صدرت في واشنطن خلال الساعات القليلة الماضية أجمعت على وصف لقاء ترامب – بن زايد بأنّه كان بمثابة ضرورةٍ ملحّةٍ للرئيس الأميركيّ قبل توجّهه لمخاطبة قادة الدول الخليجيّة والإسلاميّة في الرياض، الأمر الذي لا بدّ من أن يعزِّز، وبشكلٍ تلقائيٍّ، من فرص نجاح "اقتراح التطبيع"، بما من شأنه أن يؤدّي في المحصّلة النهائيّة إلى وضع قطاره على سكّة التنفيذ.
ولعلّ ما يعزِّز هذه الفرضيّة أيضًا هو أنّ المواقف الأخيرة التي عبَّر عنها الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس، سواءٌ في أعقاب اجتماعه مع الرئيس ترامب في واشنطن قبل أسبوعين أم في أعقاب اجتماعه مع نظيره الروسيّ فلاديمير بوتين في سوتشي قبل عدّة أيّام، حملت في فحواها ما يشي بأنّ التسوية الشرق أوسطيّة أصبحت قابلةً للتنفيذ أكثر من أيّ وقتٍ مضى، الأمر الذي لا بدّ من أن يتعزَّز أكثر فأكثر إذا ما وضعنا في الحسبان أنّ الجانبين الأميركيّ والروسيّ متّفقان تمامًا على وجوب التوصّل إلى تلك التسوية، وأنّ الشيخ عبد الله بن زايد يلعب في الوقت الحاليّ دورًا رياديًّا في مجال التقريب بين وجهات نظر كلٍّ من واشنطن وموسكو حول الآليّات العمليّة التي يُفترض اتّباعها من أجل تحقيق هذا الهدف، بما يضمن المحافظة على مصالح كافّة الأطراف المعنيّة بصراعات المنطقة وشؤونها وشجونها.
ولكنّ السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاحٍ في خضمّ كافّة هذه التطوّرات الراهنة هو: على أيّ مقياسٍ في موازين الربح والخسارة بالنسبة إلى الجانب العربيّ يمكن يا ترى أن يتحقّق التطبيع مع إسرائيل إذا ما قُدِّر له أن يُوضَع حيّز التنفيذ بالفعل؟
أغلب الظنّ أنّ الدخان الأبيض للإجابة عن هذا السؤال سيتصاعد خلال الأيّام القليلة المقبلة لدى انتهاء جولة الرئيس الأميركيّ الوشيكة، علمًا أنّ الدخان العربيّ الأسود الذي طغى على أجواء الصراع مع إسرائيل طيلة الأعوام التسعة والستّين الماضية كفيلٌ بأن يحدِّد سلفًا هويّة الرابحين وهويّة الخاسرين، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ لا شيء بقي ثابتًا في هذا الشرق الأوسط المتحرِّك تأرجُحًا ما بين ديكتاتوريّاته المشوِّهةِ لتاريخه القديم، وما بين ديمقراطيّاته المشوَّهةِ أصلًا على مرّ تاريخه الحديث، سوى إسرائيل.. وهذا كلامٌ، وإن كان انهزاميًّا حتّى النخاع، ولكنّه أشبه ما يكون في حاضرنا بالحقيقة المرَّة التي تجرّعناها جيلًا بعد جيل.. فالنكبة عندنا يا سادة ليست في إسرائيل وحدها وحسب، وإنّما فينا نحن العرب.. وشتّان ما بين سلام الأقوياء المنتصرين وما بين سلام الضعفاء المنهزمين.. والخير دائمًا من وراء القصد!