على رغم عدم تصاعد الكثير من الدخان الأبيض في أعقاب انتهاء لقاء البارحة في موسكو بين وزيريْ الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف والقطريّ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، سواءٌ من جهة الآليّات الواجب اتّباعها للحدّ من نسبة الاحتقان المرتفعة باضطرادٍ على خلفيّة تداعيات الأزمة الخليجيّة الراهنة، أم من جهة طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه روسيا في هذا المجال، فإنّ مجرَّد تأكيد الجانبين على أهمّيّة الحوار باعتباره السبيل الأفضل والأسلم لحلّ المشاكل العالقة، كان لا بدّ من أن يعكس جوًّا من الارتياح النسبيّ حيال إمكانيّة تسيُّد لغة العقل للمشهد الخليجيّ العامّ عوضًا عن لغة التهوُّر، ولا سيّما أنّ الدوحة كانت قد أعلنت بالتزامُن مع زيارة الوزير بن عبد الرحمن للعاصمة الروسيّة أنّها لن تلجأ إلى استخدام أسلوب "المعاملة بالمثل" مع رعايا الدول التي قطعت علاقاتها الديبلوماسيّة والقنصليّة معها، الأمر الذي سرعان ما قوبل على الجانب الآخر بموقفٍ عقلانيٍّ لافتٍ صدر في الرياض، وجاء فيه أنّ العاهل السعوديّ الملك سلمان بن عبد العزيز وجّه "بمراعاة الحالات الإنسانيّة للأسر المشتركة السعوديّة القطريّة تقديرًا منه للشعب القطريّ الشقيق"، حسب ما جاء حرفيًّا في بيانٍ بثّته وكالة الأنباء السعوديّة الرسميّة في وقتٍ مبكِّرٍ من صباح اليوم الأحد.
لا شكّ في أنّ هذا الموقف، وإنْ كان لا يبدو كافيًا في الوقت الحاليّ لإزالة كافّة الهواجس التي تخيِّم على الأجواء الخليجيّة جرّاء ما آلت إليه نذائر قرع طبول الحرب على مدى الأيّام الخمسة الماضية، ولكنّه يمكن أن يؤسِّس في الوقت نفسه لنقطةِ ارتكازٍ إيجابيّةٍ يمكن الانطلاق منها صوب التهدئة المطلوبة، ولا سيّما أنّ الرغبة في النظر إلى الحالات الإنسانيّة المذكورة لن تقتصر على المجال السعوديّ – القطريّ وحسب، وإنّما على المجالين الإماراتيّ – القطريّ، والبحرينيّ – القطريّ أيضًا، الأمر الذي يفسِّر سرّ قيام وزارات الداخليّة في كلٍّ من الرياض وأبو ظبي والمنامة بتخصيص أرقامٍ هاتفيّةٍ ساخنةٍ لتلقّي هذه الحالات واتّخاذ الإجراءات المناسبة حيالها، ويشي بالتالي بوجود تنسيقٍ مكثَّفٍ بين العواصم الأربع حول هذا الموضوع.
وإذا كان اثنان لا يختلفان على أنّ هذا النصف الملآن من الكأس الخليجيّ يمكن أن يشكّل منطلقًا للسير على سكّة الحوار المطلوب لتسوية الأزمة الراهنة بأقلّ الأضرار الممكنة، حسب ما أكّد عليه الوزيران لافروف وبن عبد الرحمن أثناء لقائهما البارحة، فإنّ اثنين لا يختلفان أيضًا على أنّ عدم اتّضاح رؤيةٍ موحَّدةٍ حتّى الآن داخل الإدارة الأميركيّة حيال التطوّرات المتعلِّقة بتلك الأزمة هو الذي يشكِّل النصف الفارغ من الكأس، ولا سيّما أنّ المواقف التي عبَّر عنها كلٌّ من الرئيس دونالد ترامب ووزير خارجيّته ريكس تيلرسون حيال دولة قطر خرجت مؤخَّرًا عن سياق التباين في وجهات النظر ووصلت إلى حدّ الاختلاف الجذريّ، الأمر الذي لا بدّ من أن يؤدّي إلى تغليب كفّة التشاؤم على كفّة التفاؤل بالنسبة إلى مستقبل الأوضاع في المنطقة، تمامًا مثلما لا بدّ من أن يفتح بالتالي باب الاحتمالات الخطيرة على مصراعيه.
من هنا، كان لافتًا أن يجدِّد الوزير لافروف التأكيد على قناعته بأنّ الإرهاب وحده هو الذي يشكِّل مصدر التهديد الأوّل والرئيسيّ لبلدان الخليج، ومن الضروريّ التركيز على التصدّي له، قبل أن يشدِّد على أنّ روسيا لا يمكن أن تفرح إزاء الوضع الحاليّ المتعلِّق "بتدهور العلاقات بين الجيران"، على حدّ تعبيره.
كلامٌ.. سرعان ما تلقّفه الوزير الضيف بن عبد الرحمن ليشدِّد بدوره على أنّ دولة قطر معنيّةٌ بحلّ الخلافات الخليجيّة – العربيّة عن طريق الحوار، ومن خلال مجلس التعاون الخليجيّ، شاكرًا لروسيا دورها البنّاء في احتواء الأزمة الراهنة.
وبناءً على ما تقدَّم، يصبح في الإمكان فتح نافذةٍ للتأمُّل بحذرٍ في إمكانيّة حدوث انفراجةٍ قريبةٍ من شأنها تخفيف حدّة التوتّر بما يمكن أن يَحول بالتالي دون اندلاع الحرب المرتقبة، أو ربّما بما من شأنه أن يؤخِّرها حتّى إشعارٍ آخر على الأقلّ، ولا سيّما أنّ الهامش الضيّق بين المساعي الحميدة وغير الحميدة لا يزال متاحًا في هذه الأثناء، اللهمّ إلّا إذا قرَّر الرئيس الأميركيّ الأشقر المضيّ قدمًا في تأجيج لوازم اشتعال هذه الحرب على غرار ما تشي به مواقفه المتقلِّبة يومًا بعد يومٍ.. وأغلب الظنّ عندئذٍ أنّ لا خيارات أمام العرب سوى أن يدفعوا أكثر أو الاحتراق.. وإنّ بعض الظنّ إثم!