أمضت القوى السياسية ثمانية أعوام من البحث عن قانون جديد للإنتخابات النيابية، بعدما شيطنت قانون الستين التي وضعته بنفسها. خلال الأعوام الثمانية تعدّدت التسميات والطروحات الإنتخابية، من الأرتوذكسي إلى المختلط والدائرة الفردية والتأهيلي وغيره، كما تعدّدت اللجان التي درست الصيغ الإنتخابية، من اللجان النيابية المشتركة، فلجنة التواصل واللجنة المصغرة واللجنة المكلفة البحث عن قانون للإنتخابات، وكلّها مُنيت بالفشل بعدما تهاوت الطروحات الواحدة تلو الأخرى، وشكلت أعذاراً للتمديد الأوّل والثاني .
وها نحن عشية التمديد الثالث لمجلس نيابي، ولايته هي الأطول في تاريخ البرلمانات الديمقراطية، فيكون عند إستكمال التمديد الثالث "التقني" قد بلغ عامه التاسع، ولا يهم إن جدّد نواب الأمة الثقة لأنفسهم مرّة ثالثة من دون العودة إلى الشعب "مصدر السلطات"، طالما أنّ الضرورات تبيح المحضورات. وهل من ضرورة أكثر من التوصل إلى "قانون جديد عصري ببطاقة ممغنطة"؟ "فعيشوا بهالنعمة يا لبنانيين عملنالكن قانون"، إنجاز قد يتساوى واكتشاف المريخ أو الصعود إليه، القوى السياسية ومن أجلكم ألغت مواعيدها وأمضت ساعات طويلة في التفتيش عن صيغة تؤمّن صحة تمثيلكم، وبصرف النظر عن أنّ إنتاج قانون للإنتخابات هي في صلب واجباتها، وأنّها انتظرت الربع الساعة الأخير لتصل إلى حتمية التمديد، علينا كفئات شعبية أن نقصد المساجد والكنائس ونرفع صلوات الشكر والإمتنان، فالوحي نزل على مجتمعي بيت الوسط "في ساعة مباركة"، وكان قد سبق هذا الإلهام تعليق الرئيس نبيه بري قبل ساعات قليلة من ولادة الإتفاق عندما قال: "ادعوا ادعوا فلم يعد ينفع سوى الدعاء"، وبالفعل نفع الدعاء وزفّ الوزير جبران باسيل البُشرى، وكيف لا وهو الوزير الذي كسر الرقم القياسي في تقديم اقتراحات قوانين .
هي مسألة ساعات ويبصر القانون النور التشريعي في المجلس النيابي في الجلسة المقررة ظهر الجمعة المقبل، طالما ألّا أصوات معترضة وازنة من خارج المتّفقين، ليمهّد لأول انتخابات نيابية في تاريخ لبنان على أساس النسبية، على رغم محاولات تقويض مبدأ النسبية عبر اعتماد 15 دائرة، والصوت التفضيلي على أساس القضاء، وعلى رغم تجاهل الإصلاحات كالكوتا النسائية وتشكيل الهيئة المستقلة للإنتخابات. وربّما علينا أن ننتظر نتائج اعتماد القانون الجديد وانعكاسه على المجلس النيابي المقبل، لندرك ما إذا كان المولود الجديد "خلقة كاملة"، وعندها فقط نهنىء أنفسنا.