انتظر اللبنانيون خمس سنوات، منذ أن قدّمت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي مشروع قانون على أساس النسبية، ليصير لديهم قانون جديد للإنتخابات، على أمل أن يحمل في طياته تمثيلًا صحيحًا لكل شرائح المجتمع اللبناني من دون إقصاء أو إختصار هذا التمثيل على فئة معينة دون سواها، وأن تدخل إلى البرلمان وجوه جديدة كانت محرومة من "الجنّة" النيابية على مدى عقود من الزمن، بفعل القانون الأكثري، الذي كان يعطي بعض القوى التقليدية في البلاد حصرية إحتكار هذا التمثيل من خلال ما كان يُسمّى بالمحادل والبوسطات، مع ما كان يستتبع ذلك من خضوع المرشحين لشروط الترشيح من قبل بعض الكارتلات السياسية، فغاب الصوت الذي لا يسير بمنطق المحادل وغاب التمثيل الصحيح والعادل، وبالأخصّ بالنسبة إلى الأشخاص الذين لا ينتمون إلى هذا الحزب أو تلك الجهة السياسية.
وبغضّ النظر عما يتضمّنه مشروع قانون النسبية من ثغرات وهفوات إلاّ أنه لا بدّ من الإعتراف بأن اللعب على حافة الهاوية، وخوفًا من السقوط في منحدراتها، وفي آخر لحظات الإنتظار، فإن ما أتى ولو آجلًا خيرٌ من الاّ يأتي ابدًا، وإن كان رفع سقف الإحتساب والتأهيل جاء بقناع "ستيني"، وذلك لضمان حصة القوى السياسية، التي كانت مستفيدة من قانون "الستين"، وهي التي أوقفت عقارب الساعة خمس سنوات من أجل أن تلبس القانون المفترض به أن يكون عصريًا ومتطورًا لباسًا يتناسب ومقاسات هذا الفريق وذاك الطرف السياسي، فكان لفعل المقصّ السياسي فعله في بند الصوت التفضيلي وفي تقسيم الدوائر، مع ما أفرزه من مناطق هي أقرب من الطائفية إلى منطق التوحيد والإندماج والتفاعل الإيجابي بين مختلف مكونات المجتمع، فعادت بيروت مثلًا بيروتتين: شرقية وغربية، مع ما لهذه التسمية في مفردات الحرب اللبنانية من ذكريات بشعة.
ومن سلبيات ما لم يتمّ التوافق عليه كعناصر مكمّلة للمشروع عدم تخفيض سنّ الإقتراع على عكس ما هو معمول به في سائر دول العالم، حيث يحقّ لمن بلغ سن الثامنة عشرة أن يكون مشاركًا في الحياة السياسية، وأن يُسمع رأيه وتكون له مساهماته في إغناء الحياة السياسية وترشيقها.
أما بالنسبة إلى "الكوتة" النسائية فلم تحظ بالموافقة الذكورية، حيث إن جميع الذين أشتغلوا بهذا القانون، سواء من فوق الطاولة أو من تحتها، هم رجال باستثناء الأمينة العامة لـ"القوات اللبنانية" السيدة شانتال سركيس، التي كان لها دور تقني واضح إلى جانب النائب جورج عدوان، الذي حمل المشروع إسمه.
وهذه "الكوتة" المغيّبة من القانون سيكون لها ردّات فعل لدى بعض القوى السياسية، التي تجاهر بضرورة أن يكون للمرأة اللبنانية حضورها المميز في الحياة السياسية، في السلطتين التشريعية والتنفيذية وفي الإدارات العامة، وسيكون لترشيح العنصر النسائي حيّز تعويضي عن النقص التشريعي، وهذا ما يدفع إلى تجديد الحيوية في الجسم السياسي التقليدي.
أما بالنسبة إلى حقّ المغتربين بأن يكون لهم حيثية تمثيلية على الساحة النيابية فقد رحّل إلى ما بعد العام 2022، وبذلك يكون من حارب من أجل هذا الحق كمن يحارب طواحين الهواء.
وهكذا، وخشية من السقوط في هاوية الساعات الأخيرة، أصبح التمديد، ولو بذريعة تقنية، أمرًا واقعًا، وكذلك الأمر بالنسبة إلى قانون الستين، الذي عاد بقناع نسبي. وحده الفراغ نجح في إمتحان اللعب على حافة الهاوية، فجاءت النتائج النهائية لمصلحة الذين "قاتلوا" من أجل تلافي تجرّع كأسه المرّة، مع ما كان يمكن أن يؤدي إليه من كوارث وتداعيات.