أفضى تورط بعض اللبنانيين في الأزمة السورية وإشهار مشاركتهم في هذا الحلف أو ذاك إلى جانب النظام أو في مواجهته، إلى احتمال ان تنتقل الأزمة السورية الى لبنان في لحظة ما على رغم كل التطمينات بأن البلد ممسوك، وان الدول الكبرى فرضت رعاية دولية غير مسبوقة بإجماع من يتصارعون على الأراضي السورية بعدما تحول أمن لبنان بالحد الأدنى المتوافر إلى حاجة اقليمية ودولية ماسة.
وفي ظل هذه الطروحات فرض النزوح السوري غير المنظم الكثير من الهواجس لدى اللبنانيين، وزاد من قلقهم حجم السرقات وتجدد عمليات الخطف بدل فدية مالية، بالإضافة الى حجم المخاطر الحدودية التي باتت تهدد القرى اللبنانية مسيحية كانت أم إسلامية، فبقي النقاش محصوراً في هذين الأمرين لدى الدوائر السياسية والحزبية المسيحية، وخصوصاً عندما اقتنع البعض بأن التسلح في بعض المناطق الحدودية دافع أمني قبل ان يكون نوعاً من الترف بالعودة الى الأمن الذاتي.
فالجميع يدرك، على رغم الذاكرة "المبخوشة"، لدى بعض اللبنانيين ما تسبب به هذا "الأمن الذاتي" في كل لبنان من أحداث لا يتسع مقال أو موقع للإشارة اليها منذ ان تفلت السلاح تحت شعارات عدة تعاني منها المجتمعات "المقاومة" قبل غيرها. بدليل ارتكاب المزيد من الجرائم لأسباب تافهة اقلها سقوط قتيلين بسبب انزعاج الجيران من صوت محرك شاحنة وصولاً إلى جرائم الثأر التي تجدد الحديث عنها قبل ان تتوسع ظاهرة الخطف مقابل فدية، أو انعكاساً لما يجري في سوريا من أحداث لها ابعادها المذهبية وتلك المرتبطة بمكافحة جريمة الإتجار بالمخدرات والممنوعات وملاحقة القوى الأمنية لمجموعات المهربين، فعانت ما عانته قرى البقاع من تردداتها ولم "يشلح" أهالي الضحايا الأسود بعد الى اليوم.
وعلى رغم كل هذه الظروف التي بررت التسلح في بعض القرى المسيحية تحت غطاء الدفاع عن النفس في مواجهة خطر الارهاب، فإن الأوساط السياسية الحزبية المسيحية تفكر بنوع من الأمن الإضافي ولو بـ "العين الساهرة"، على قاعدة ان كل مواطن خفير، وان له دوراً في معاونة القوى الأمنية لإكمال مهمتها وفق منطق الأمن "الإستباقي" او الأمني "الإستيعابي" وهو عمل أمني مستقل عن الأمن العادي بات معمماً في كل بلدان العالم، بعدما ثبت ان المجموعات الإرهابية العابرة للقارات والحدود، خصوصاً ان الأجهزة الأمنية باتت تتكل على مجموعات صغيرة وخلايا لا يتعدى عدد افرادها أصابع اليد الواحدة، بالإضافة إلى الإرتكابات الإجرامية التي لا تحتاج إلا الى شخص واحد يمكن اتهامه في بعض الحالات بانه قاصر ذهنياً ويعاني من مشاكل عقلية مزمنة لتبرير بعض الجرائم التي ترتكب من وقت لآخر تحت عناوين شتى وفي توقيت دقيق ينفي التهمة بالعقل القاصر أو الأمراض النفسية.
فبعدما عززت وزارة الداخلية والبلديات في أيام الحكومة السابقة قدرات شرطة البلديات وحراسها وسمحت لها في بعض المناطق بحمل السلاح الفردي كان لا بد من أمن مواز أو إضافي فبدأت بعض المناطق تطبق ترتيبات امنية ومدنية لا بد منها لتعزيز الفرص في مواجهة المجموعات والخلايا النائمة، وتلك التي استغلت موجة النزوح السوري والفلسطيني لتكثيف عمليات السلب والخطف والنهب فامتلأت السجون اللبنانية بما يزيد عن 34 % من نزلائها من السوريين.
وتلاحظ المراجع الأمنية بالكثير من الدقة قدرات السوريين النازحين القتالية وخصوصا الشباب منهم. وهم أكثرية، فهم مدربون على إقتناء السلاح ولهم قدرات بشرية تسمح لهم بالقيام بمثل هذه الأعمال ليس على خلفية الحاجة الماسة الى المال فحسب، إنما على خلفية الإنتقام من بعض المجتمعات والأحياء، وقد أثبتت التحقيقات في بعض الجرائم والسرقات الكبرى ان أبطالها ممن خبروا الحي والشارع و"العائلة المالكة" للشركة على مدى عقود من الزمن فكانوا في أحيائها عسكريين من ضمن قوات الدرع السورية أو عمال موسميين يعرفون الشاردة والواردة في كل بيت ويدركون ما لا يدركه آخر ممن سكن لبنان وعمل فيه على مدى السنوات السابقة.
وعلى هذه الخلفيات ارتفع منسوب القلق لدى اللبنانيين وخصوصا في مناطق هي اليوم على تماس مع المخيمات السورية العشوائية المنتشرة في أكثر من 1356 مخيماً تم إحصاؤهم في المرحلة الأولى للنزوح، وتحول بعضها الى مجتمع كامل تنمو فيه العائلات ويولد الأطفال بشكل طبيعي وكثيف لم يعهده المجتمع اللبناني في ظروف عدة.
أمام هذه الوقائع عززت المخاوف التي زرعها بعض الأطراف في لبنان من خطر "داعش" والمنظمات الارهابية بعد تصاعد الأحداث في سوريا فتعزز الإتجاه الى الأمن الذاتي فعرفت بعض المجتمعات النزوة مجدداً الى اقتناء السلاح او على الأقل نبشه من الأقبية، بعدما خبرت هذه المناطق نوعا من المواجهات الداخلية مع محيطها الفلسطيني او السوري المسلح وخلاف ذلك من مظاهر الحرب اللبنانية. كما كانت ظاهرة "سرايا المقاومة" التي عرفتها المناطق المسيحية كما السنية.
وبعيداً من كل هذه المظاهر لم يتجه بعد اي طرف مسيحي الى خطط التسلح لقيام ما يشبه التنظيم المسلح الذي تتفرد به الكوادر القتالية في "حزب الله" وبعض الأحزاب الدائرة في فلكه، والتي تخوض مواجهات شرسة في سوريا وهي على إستعدادا من وقت لآخر لإحياء المظاهر المسلحة في قلب المناطق اللبناني البعيدة كل البعد عن الحدود السورية أو الإسرائيلية في وقت تؤكد فيه القوى المسيحية ثقتها بالجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي ومختلف الأجهزة الأمنية على انها الملاذ الأول والأخير لضبط الوضع الأمني وتأمين الإستقرار المنشود، واي مظهر آخر هو خلاف ذلك.
(خاص "
لبنان 24")