إذا صح ان "حزب الله" لن يقبل بمرسوم فتح الدورة الإستثنائية ما لم يكن موقعاً من الوزراء الـ 24 نيابة عن رئيس الجمهورية، كما قال احد كبار المسؤولين في الحزب، فإن ذلك يؤدي حتماً الى اكتشاف عناوين "الصفقة الجديدة" بين الحزب الذي قرر، على ما يبدو، مواجهة الرئيس نبيه بري الذي يطالب بالدورة الإستثنائية للمجلس، فيما يتولى "التيار الوطني الحر" مواجهة تيار"المستقبل" في ملف الصلاحيات وآلية العمل الحكومي بعد اتهام الرئيس تمام سلام بإختزال صلاحيات رئيسي الجمهورية والحكومة في شخصه.
كيف ظهرت بوادر هذه الصفقة؟ وما هو الثمن؟
كان واضحاً ان الحزب لن يتخلى عن شكل ومضمون علاقاته بـ"التيار الوطني الحر" وسيحميها بالحد الأقصى الذي يمكن الحفاظ عليه فيما هو مستعد في الوقت عينه لحماية الحكومة ولكن بالحد الأدنى المطلوب.
فلدى الحزب – بحسب العارفين – الكثير من هامش المناورة للحفاظ على الأمرين معا في معادلة دقيقة لا يتقنها من بين القادة اللبنانيين سوى الحزب. فالثقل السياسي والعسكري والوزن الإقليمي له يسمح له بإقامة مثل هذه المعادلة "الغريبة العجيبة"، وهو قادر على تجسيدها وتمتينها بأقل الأكلاف الممكنة قياساً على الأحمال التي تعهد بها في الأزمة السورية وإستعداداته لمواجهة تفاصيلها على مساحة "سوريا المفيدة" من عاصمتها الى ساحلها الشمالي مهما كان الثمن من ارواح وعتاد وسلاح، فيما يُعتبر الملف اللبناني بالنسبة اليه في هذه المرحلة مجرد مزحة يمكن ان يكلف به مسؤولين محليين يديرون اللعبة باتقان.
وفي المقابل، فقد رفع "التيار الوطني الحر" من سقوف مواقفه الى حد لم يعد قادراً على التراجع. فالعناوين الكبرى التي شحذ بها شبابه لم تعد تسمح بالتراجع في القريب العاجل، وان كان لا بد من ان تأخذ الأمور مجراها الطبيعي حتى ولو استغرقت العملية بعض الوقت. فهو قرر المواجهة المسيحية مع السنة (تيار "المستقبل" والرئيس سلام) نيابية عن "حزب الله" في ما وفر عليه الحزب المواجهة المارونية – الشيعية بالحرب الخفية وغير المعلنة مع حركة "امل" ورئيسها نبيه بري بعدما أظهر الكثير من التمايز عن الحزب في الملف الحكومي، كما في ملفات أخرى صغيرة الحجم لم تظهر الى العلن كما حصل اليوم.
وعلى هذه الخلفية، لا بد لهذه المواجهة المزدوجة المسيحية – السنية، والشيعية – الشيعية ان تأخذ مداها فيكون مجلس الوزراء في جلسته مسرحا لتردداتها وليس مكاناً ليخوض الطرفان المواجهة المباشرة فيها. فقرار الإنسحاب من الحكومة لإستحضار تجربة 11 – 11- 2007 والتي ولدت "حكومة بتراء" لن تتكرر مرة أخرى. ولن يغادر وزراء التيار والحزب ومعهما وزيرا "الطاشناق" و"المردة" الحكومة وسيقاتلان من الداخل على قاعدة "منشل ما منفل"، وهي المعادلة التي تم التفاهم بشأنها لحماية الحكومة بالحد الأدنى، مخافة فقدان الدور الذي تلعبه المؤسسة الوحيدة في لبنان التي ما زالت تعمل في زمن الشغور الرئاسي والشلل النيابي.
إذا صح ان هذه المعادلة قد رست بالشكل المشار اليه، فإن الساعات المقبلة ستشهد على أثمانها. فالخصمان لا يستهان بهما. فتيار "المستقبل" مستعد لكل أشكال المواجهة، وقد عبر وزير الداخلية نهاد المشنوق - المتقدم بين متساوين في التيار الأزرق - بوضوح عن مدى الإستعداد لأي مواجهة تحت شعار "الصلاحيات الرئاسية والحكومية"، وهو الذي نبه زعيم "التيار الوطني الحر" العماد ميشال عون وأنصاره من "لعبة الشارع"، وناشده أن يعرف خطورة الحركة السياسية التي يقوم فيها ومدى تأثيرها على كل الوضع في لبنان. مضيفا بانه "لا يجوز الاستمرار بهذا المنطق الذي يعرض البلد والمسيحيين لمخاطر ليست بالحسبان"، معتبراً أن هذا الكلام "صياغة مسيحية كانت تحكى بالخمسينيات لكن الدنيا تغيرت والمنطقة تغيرت، كما أن الآخر الذي عليك أن تتفق معه قد تغير".
اما بالنسبة الى المواجهة الشيعية – الشيعية فقد ظهر ان الرئيس بري تسلح مسبقا بتفاهمات عريضة فالتقى مع النائب وليد جنبلاط الى جانب تمام سلام الذي حظي بتأييد مطلق من وزارء اللقاء التشاوري الثمانية: الكتائب وزراء الرئيس سليمان والمستقلين المسيحيين، وهي جبهة حكومية عريضة يمكنها في حال فقدان المخرج بأن تستمر بحماية الحد الأدنى من الميثاقية على كل المستويات المسيحية والشيعية معا، عدا عن العوارض التي يمكن ان تتسبب بها المواجهة المفتوحة بين "أمل" و"حزب الله" وقد غابت عن المشهد السياسي في ظل ثنائيتهما منذ زمن بعيد ولم تحضر إلا في الفترة الأخيرة إلا عبر مواقع التواصل الإجتماعي.
على كل حال فباب المفاجآت والصفقات مفتوح على مصراعيه في غياب السيناريوهات الواضحة لما يمكن ان تشهده الساحتان السياسية والشعبية، وما على المراقبين سوى الإنتظار؟
(خاص "
لبنان24")