بعد إنقشاع غبار المعارك الدائرة بوتيرة متسارعة في جرود عرسال، مع ما تحمله من مفاجآت ميدانية، يعود موضوع النزوح السوري بقوة إلى طاولة مجلس الوزراء، وهو في الأساس لم يغب عن طاولة الجدل السياسي، وهو سيكون حاضرًا في المحادثات التي يجريها رئيس الحكومة سعد الحريري في واشنطن، وبالأخص مع الرئيس الاميركي وإدارته.
وعلى هامش زيارة الحريري لواشنطن ولقائه عددًا من المسؤولين في الإدارة الاميركية، لا يخفي بعض السياسيين الذين يعودون من زيارات خارجية، وبالأخص لعواصم عربية فاعلة، بعضًا من الأجواء السلبية التي لا تدعو إلى الكثير من التفاؤل، اقّله في ما يتعلق بالوضع العام وموقع لبنان من الأزمة الخليجية.
وينقل هؤلاء السياسيون عن بعض المسؤولين الذين تسنى لهم الإلتقاء بهم في مناسبات غير رسمية أن لبنان ليس أولوية في اجندات الدول التي كانت تتعاطى بالملف اللبناني على اساس أنه نقطة ارتكاز في أي حلّ ممكن للمنطقة، خصوصًا بعد الكلام الكثير الذي قيل في بيروت، والذي ترك آثارًا غير مطمئنة في عدد من الدول الخليجية التي لا تزال تستقبل أعدادًا كبيرة من اللبنانيين العاملين فيه، والذين يشكلون بيضة القبان في الإستقرار المالي والنقدي للبنان، الذي يعاني الكثير على الصعيد الإقتصادي والركود الذي تشهده الساحة الداخلية، مع تعاظم مشكلة النزوح السوري وما يتركه من تداعيات وانعكاسات خطيرة على كل المستويات.
قد لا يكون في هذا الكلام الذي سمعه هؤلاء السياسيون أي شيء جديد، وهو لم يعد سرأ مخفياً وغير متداول به، ولكن ما استشفه هؤلاء من حرص بعض الدول على استقرار لبنان من زاوية عدم إدخاله في أتون الحرب الدائرة في سوريا يدعو إلى الإستغراب، خصوصاً عندما يربط هؤلاء السياسيون مسألة الإستقرار اللبناني بوضع النازحين السوريين.
ويفهم هؤلاء السياسيون من خلال الكلام الذي سمعوه أن استقرار لبنان، أقله من الناحية الأمنية مرتبط بأمن النازحين السوريين الموجودين بكثافة على أراضيه، وهو وجود بحدّ ذاته يدخل في خارطة الإخلال بالتوازن الديموغرافي، مع ما يحمله هذا الوجود غير المنظم من مشاكل اقتصادية وبيئية واجتماعية وحتى أمنية يتحمّلها لبنان وحده من دون أن يلقى من الدول المانحة المساعدات المطلوبة والكافية التي من شأنها التخفيف عن كاهله عبء هذا النزوح، الذي يستنزف قدرات الدولة اللبنانية، وهي التي بالكاد تستطيع أن تقف على رجليها حتى في الظروف الطبيعية.
ولمس هؤلاء أن حرص هذه الدول على النازحين السوريين ليس من منطلقات إنسانية بقدر ما هو مرتبط بمصالحها الذاتية، باعتبار أن أي إخلال بالوضع الأمني في لبنان سيجبر هؤلاء النازحين إلى الإلتجاء إلى الدول العربية والأوروبية في موجة نزوح غير مسبوقة، خصوصاً أن أغلبية هذه الدول سبق لها أن أعربت عن تمنعها من استقبال أي لأجىء إضافي على أراضيها بعدما تكاثرت أعداد الأجئين الطارئين عليها في الفترات السابقة، ولو بطرق غير شرعية.
ولتفادي تكرار سيناريو النزوح الجماعي تبذل هذه الدول أقصى الجهود من أجل الحفاظ على استقرار لبنان، وقد يكون في ذلك استفادة غير مباشرة له، مع ما يعني ذلك من أستحالة الغوص في ما هو أكثر من ذلك، على الأقل من الناحيتين السياسية والإقتصادية.
وعليه، وحتى إشعار آخر يبقى أمن لبنان واللبنانيين مرتبطاً بأمن النازحين السوريين، تماماً كما كان يقال أن أمن لبنان من أمن سوريا، بالطبع قبل أن يتفجر الوضع السوري، وقبل تداعياته وانعكاساته على الوضع اللبناني، أقله سياسيا واقتصادياً، وإن كان الأمن لا يزال حتى هذه الساعة ممسوكاً، ولو بخيط رفيع من خلال ما تراه الدول المعنية بالوضع في المنطقة ضرورة مرتبطة بأمن النازحين.
وعليه، فإن تعامل الحكومة بكل مكوناتها مع النزوح السوري سيكون، وفق ما تجمّع من معطيات، على أساس الحفاظ على أمن لبنان الداخلي بالدرجة الآولى، وبالتالي العمل على منع أي أعمال إستفزازية من قبل النازحين السوريين، مقابل أن تكون طريقة تعامل اللبنانيين معهم مبنية على عدم إظهار العدائية لهم والتعاطي معهم بإنسانية، إلى حين نضوج الظروف الطبيعية لعودتهم سالمين إلى مدنهم وقراهم في الداخل السوري، بعد أن يكون الأمان والإستقرار قد حلاّ فيها، وبعد أن تكون الأمم المتحدة قد قامت بكامل واجباتها تجاههم وتجاه الدولة اللبنانية.
وفي المختصر، وعلى وقع المعارك الدائرة في جرود عرسال، سواء في مرحلتها الأولى أو في مراحلها اللاحقة، وفي ضوء ما سمعه المسؤولين اللبنانيين من بعض العرب، فإن التعاطي مع ملف النزوح السوري لن يكون بعد كل ذلك لن يكون كما قبله.