النتيجة التي أفضت إليها معارك "حزب الله" في جرود عرسال، سواء أكانت استسلاماً من قبل جبهة "النصرة"، أم تسوية أم اتفاقاً يفضي إلى انسحاب مسلحيها من تلك الجرود إلى سوريا، شديدة الأهمية، ذلك أن في تحرير هذه المناطق، مصالح وطنية كبرى، ليس أقلها تحرير أرض لبنانية، وسحب ذرائع الاتهامات الممجوجة لأهالي عرسال بدعم هذه المجموعات، والحؤول دونهم ودون مصادر رزقهم في تلك الجرود بأكثر من طريقة ولأكثر من سبب.
في المعنى الوطني، لا جدال بأن دخول "الدولة" ممثلة بالمدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم طرفاً راعياً لتنفيذ ما اتفق عليه بشأن الانسحاب من الجرود، ودخولها ثانياً على المشهد في السلسلة الشرقية من زاوية الاستعدادات الميدانية واللوجستية لطرد "داعش" من جرود القاع ورأس بعلبك. إذ مهما قيل وكيفكما كانت الاتجاهات السياسية وموازين القوى الآنية، تبقى الدولة القوية هي تلك التي تمتلك جيشاً قوياً، وهما من يضمن الاستقرار والحريات، بما هما جناحان ضروريان لحماية الشعب والمجتمع ومنظومة المؤسسات، فالجيش هو المدافع الشرعي عن استقرار لبنان، وواجبات الدولة حماية الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي وصون الحريات العامة في البلد.
وفي المعنى المحلي، أي "العرسالي" الخاص، فقد آن لهذه المنطقة أن ترتاح من دوامة الابتزاز التي رميت بها فعاشت سنوات بين حدّي: إرهاب الجماعات المسلحة التي اتخذت من عرسال وأهلها أسرى بكل ما للكلمة من معنى، هذا من جهة، ومن جهة أخرى الاتهامات الظالمة والكيدية التي رميت بها البلدة نتيجة وقوفها إلى جانب ظلامة الشعب السوري النازح، وبسبب انسانيتة أهلها وشهامتهم.
فعرسال، وبعيدا عن الحسابات السياسية لهذا الطرف أو ذاك، لطالما ارتبطت بقضايا الوطن والعروبة، وهي التي قابلت تهميش الدولة بالسعي لطلب الرزق حفراً في الصخر، لم يتوجه أهل عرسال يوماً لزراعة أو تجارة الحشيش مثلاً، بل حوّلوا أخاديد السلسلة الشرقية منبتاً لأجود أنواع الكرز والدراق والمشمش.
ثم إن تعامل أهالي عرسال مع تداعيات الأزمة السورية لم يكن اختيارياً، فاستقبال النازحين الذين تجاوز عددهم داخل البلدة وفي محيطها ثلاثة أضعاف عدد السكان وبشكل هدد التركيبة الاجتماعية، إلى كونه قيمة أخلاقية وإنسانية عند العراسلة، فرضته عوامل الجغرافيا للهاربين من بلدات القلمون أو من ريف حمص، وهي تعدّ بالعشرات وسكانها بعشرات الآلاف. أما كيف تحول هؤلاء إلى أزمة، فلعدة أسباب أهمها: غياب الرؤية الوطنية اللبنانية منذ بداية الحرب السورية للتعامل مع مسألة النزوح، وفقدان الحكومات لسياسات عامة متكاملة لهذا الملف، وفوضى العمل الإغاثي غير الخاضع للرقابة والشفافية، والأهم من كل ذلك اتخاذ بعض الجماعات المسلحة من تلك الجرود ملاذاً ومقراً لعملها "الجهادي" الذي راوح بين عمليات التصفية المتبادلة أو أعمال القرصنة والخطف لابتزاز المدنيين على طرفي الحدود.
هكذا تراكمت على عرسال التحديات والأعباء؛ عبء النزوح، وعبء غياب الدولة، وخطر الجماعات المسلحة، وتباينات الصراع السياسي الداخلي. أما تهمة "التطرف"، فمن يعرف العراسلة يدرك أن مزاجهم الفطري، كغالبية أهالي الريف، هو الاعتدال والوطنية، وهم الذين لم يبخلوا بشبابهم أيام النضال الثوري باتجاه فلسطين، وفي مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية أيام الحرب والسلم، وهم من بذل الوجه واليد والمكان لاستقبال نازحي الحرب السورية.. هنا يصبح الحديث، وتكراره بسبب ودون سبب، عن "وطنية" أهل عرسال وإغراءهم بالوعود لزوم ما لا يلزم، مقابل ضرورة السعي بجدية وصدق وفاعلية لتعزيز صمود هؤلاء عبر تأمين خدمات الدولة وتحسين ظروف عيشهم. هم لا يحتاجون شهادة في الوطنية والانتماء، وفي الشهامة والكرم، وفي الاعتدال والوسطية، بل إلى خطوات عملية سريعة لتأمين عوتهم الآمنة إلى مصادر رزقهم في المقالع والبساتين في تلك الجرود الشاسعة، وإلى تعزيز خدمات الدولة بكل صورها. الارهاب عاجلاً أو آجلاً إلى اندحار، وللجيش التحية، ولعرسال الشكر والدعم، وللنازحين الدعاء بقرب الفرج.