عندما تحدّث الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله بالأمس عن موضوع تنسيق لبنان مع الحكومة السورية وزيارة بعض الوزراء لدمشق، تحدّث بـ"هدوء وبشكل مسؤول"، وهو توجّه بكلامه الناصح إلى طرفين أساسيين في التركيبة اللبنانية، وهما رئيس الحكومة سعد الحريري ورئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، وهما اللذان لا يزالان يشكلان رأس الحربة في معارضة إضفاء أي صفة شرعية للرئيس السوري بشار الأسد.
وهذا الموضوع، على رغم تأكيد "السيد" أن "المشروع الذي راهنتم عليه في سوريا سقط أو هو في آخر مراحل السقوط"، لا يزال نقطة الخلاف الأساسية بين محورين هما إنعكاس لخلاف أوسع نطاقًا من الدائرة الصغرى والضيقة، التي تتحكّم بمفاصل الأزمة اللبنانية الداخلية، والتي لها إمتدادات خارجية وتأثيرات مباشرة على الوضع الداخلي.
إن دعوة نصرالله الطرف الآخر إلى إعادة النظر بعيدًا عن "الحقد، والاحلام، والامال، والرغبات، والاماني"، في قراءة التطورات التي حصلت في سوريا وفي المنطقة والبناء عليها، هي دعوة ساقطة بالمعنى السياسي، لأن أساس المشكلة بين المحورين أن لا قراءة مشتركة بينهما لما يجري في المنطقة، وأن المنطق التباعدي بينهما لا يزال هو المتحكم بمسار العلاقة التي تجمع بينهما على طاولة واحدة، من منطلقات مختلفة، وإن لم تتوافر لها في أغلب الأحيان ظروف الجمع بين مصالح متناقضة تفرض على الجميع بعض التنازلات في مكان ما، حفاظًا على ما تبّقى من ماء وجه.
فإذا كان منطق الأشياء لدى نصرالله يقول بأن "القرار بإنهاء "داعش" في سوريا والعراق هي مسألة وقت، وأن المعارضة السورية في أسوأ أحوالها، وأن المعارضة السياسية، التي هي ضعيفة في الأساس وتزداد ضعفًا بعد الأزمة السياسية بين الخليج وقطر، وأن بعض الدول التي كانت أشد تعصبًا وتزمتًا بدأت تعترف بالرئيس الأسد رئيسًا شرعيًا لسوريا"، فإن ثمة رأيًا آخر يرى عكس ما يراه، وإن اتفقا على أن إنهاء "داعش" بات مسألة وقت، بإعتبار أن الأزمة السورية هي في الأساس قائمة ومستمرة قبل أن يكون لتنظيم "داعش" وجود.
فالمقاربة في تشخيص الأزمة السورية بين المحورين مختلفة جوهرًا وشكلًا، لأن ما يُعتبر إنتصارًا هنا يراه آخرون مزيدًا في الغرق في الرمال المتحركة. وإذا كان "السيد" يبشّر ويلوّح بأن الرئيس الأسد باقٍ وأن تسوية سياسية بدأت تلوح في الأفق وتأخذ في الإعتبار دخول المعارضة المعتدلة إلى السلطة، فإن جعجع مثلًا، ومعه آخرون، وهم الذين قصدهم "السيد" عندما قال إنهم لا يزالون يراهنون على مشروع هو في آخر حلقات السقوط، يرون أن المشكلة السياسية، بغض النظر عن الوقائع الميدانية، تكمن في الإختلاف الواضح بين وجهتي نظر حول دور الرئيس السوري، سابقًا وحاضرًا ومستقبلًا، وفي الأسباب والوقائع والنتائج.
وهذه النظرة المتناقضة للأمور، والتي لها زوايا متعددة الأوجه، لا يمكن إختصارها بدعوة من هنا وردّة فعل من هناك، إذ يرى البعض أنه من المبكر التأسيس على ما يمكن أن تحفل به التطورات في المنطقة والعالم من مفاجآت، وأن بؤر التأزم لا تزال قائمة في أكثر من بقعة في المنطقة، وأن الحديث عن تسوية سياسية لا يزال في بداياته، وأن الأزمة أكبر بكثير من بعض التفاصيل الميدانية.
ولأن لا حلّ قريبًا يلوح في الأفق فإن التوتر في العلاقات بين المتناقضات المحلية سيأخذ أكثر من شكل، وستكون له تداعيات غير مستقرة على الساحة الداخلية، على عكس ما يتمناه البعض.