أربع سنوات تعود بذاكرة الطرابلسيين إلى ذلك اليوم المشؤوم، يوم الجمعة في 23 من آب 2013، يوم احترقت المدينة بأكملها باحتراق أجساد أبنائها المصلّين في بيوت الله وبين يديه. في ذلك اليوم، ارتكبت أفظع مجزرة تمرّ على المدينة التي لم تنكسر يوماً رغم كلّ محاولات إخضاعها على مدى السنوات، بل بقيت صامدة عصية على الانكسار رغم كلّ الآلام والجروح.
هي جريمة موصوفة بكلّ المقاييس، ستبقى آثارها محفورة في ذاكرة الطرابلسيين يوم تمّت عملية تفجير مسجدي "التقوى" و"السلام" خلال أداء المؤمنين صلاة الجمعة، ما أدّى إلى ارتقاء حوالى 50 شهيداً بينهم أطفال، وجرح المئات من أبناء المدينة الأبرياء الذين لا ذنب لهم سوى أنّهم كانوا يؤدّون صلاة يوم الجمعة.
في الذكرى الرابعة لمجزرة "السلام والتقوى" يستحضر الطرابلسيون لحظات مؤلمة فقدوا فيها أحبة وأصدقاء ولن يستطيعوا نسيانها، تحضر الذكرى وكأنّها وقعت بالأمس، فالبعض حتّى لم يستوعب ما حدث ولم يستفق من صدمته، والبعض الآخر لم ولن ينسى هذا اليوم الذي اكتست به طرابلس السواد وتحوّل نهارها إلى ليل مظلم وجعل الليل منها مدينة أشباح لا حياة فيها.
أبو عشير.. الجدّ الذي هزّ لبنان
لا يمكن لأحد في هذا اليوم إلا أن يتذكر قصّة الجد أحمد عبوس "أبو عشير" التي هزّت وجدان كلّ لبناني، وهو الذي فقد في تلك الليلة حفيدين وابناً تفحّمت أجسادهم البريئة أمام عينيه.
تنهمر الدموع من عيني أبو عشير وهو يستحضر المشاهد أمام عينيه، ويروي في حديث لـ"لبنان 24" اللّحظات الأولى للانفجار الذي وقع بعد دقائق فقط من وصوله إلى مسجد "السلام" وجلوسه في الباحة الخارجية للمسجد بسبب عدم وجود مكان في الداخل، ويقول: "من حكمة الله أن الخطبة طالت أكثر من وقتها المفترض بسبب عطل تقني في الصوت وإلا لكان حدث التفجير خلال خروج الناس من المسجد ولكانت أعداد الشهداء بالمئات"، يضيف: "ضغط الإنفجار كان شديداً وقد رماني إلى مكان بعيد، وبعدها قمت ورأيت فاجعة أمام عيني، سيارات تحترق، أشلاء وشهداء على الأرض، تخيّلت أنّني لست في لبنان وبدأت أسأل أين أنا؟ وبدأت بالبحث عن الباص الذي فيه نجلي وحفيديّ".
بدأ أبو عشير بإخماد أحد الباصات المحترقة ظناً منه أنّه باصه إلا أنّ الصدمة، بحسب تعبيره، أنّه كان باصاً آخر شبيهاً به، لكنّه بقي متماسكاً.
ويتابع: "بعد محاولات استطعت الوصول إلى باصي ورؤيته ما بداخله، وجدت 3 أجساد متفحّمة سوداء لا يظهر منها إلا هيكلها العظمي تغمر بعضها، حملتهم سريعاً إلى الصليب الأحمر وكتبت أسماءهم لأقوم بدفنهم، حدث كلّ ذلك وأنا ما أزال متماسكاً، ولا أدري كيف، لم أكن أنا طيلة ذلك الوقت، حتى وصلت إلى حارتي وهنا انهمرت بالبكاء، وبدأت أفهم ما حدث فالصدمة كانت خفيفة لحظتها وبعد ذلك بدأت أتذكر التفاصيل التي مررت بها".
بقوة إيمانه وصلابته يؤكّد عبوس أنّه لم ولن يعترض على قضاء الله وقدر، إلا أنّ ما يؤلمه هو "الأسلوب الوحشي الذي دفع بمجرم لارتكاب هكذا مجزرة بحقّ مصلّين وأطفال"، مؤكّداً أنّه لا يزال يؤمن "بالدولة لتأخذ حقّنا وينال المجرم عقابه الذي يستحقّ".
الرافعي: لم أتوقّع تلك الوحشية
إمام مسجد "التقوى" والرئيس السابق لـ"هيئة علماء المسلمين" الشيخ سالم الرافعي يشير في حديث لـ"لبنان 24" إلى أنه تلقى انذارا قبل مدة من التفجير ثم تلقّى إنذاراً ثانيا قبل التفجير بيوم واحد، ويضيف: "كنت أعلم أنني مستهدف، وبدأت أفكّر كيف يمكن أن يتمّ العمل، فقد توقعت مثلاً أن يتمّ استهدافي على الطريق بين منزلي والمسجد كما فعلوا في عمليات اغتيال الرئيس رفيق الحريري وبقية الشخصيات".
ويستذكر الرافعي أنّه في ذلك اليوم فضّل عدم اصطحاب أولاده معه في السيارة تحسباً لأي عمل من هذا النوع، لكنّه فوجئ أنّه حين وصل إلى المسجد لم يحدث أي شيء، مضيفاً: "لم يخطر ببالي قط أن يتم استهداف مسجد يعج بالمصلين والمؤمنين بهذه الطريقة الوحشية".
وعن لحظة التفجير يقول الرافعي: "كنت على المنبر، لكنّ الصدى لم يكن نفسه بين الداخل والخارج إذ أنّ الصوت من الداخل لم يكن بحجم الدمار الذي حدث في الخارج"، مشيراً إلى أنّ "الشهداء الذين ارتقوا في ذلك اليوم كانوا في غالبيتهم في الباحة الخارجية للمسجد، وأنا في داخل المسجد لم أتوقع أن المسألة بهذا الحجم إذ توقعت انها قنبلة صغيرة لا أكثر، لكن حين رأيت ما حدث بالخارج لم أصدق أنه يمكن لشخص أن يقدم على هكذا فعل إجرامي بهذه الطريقة الوحشية".
وعن ردّة فعل الناس يومذاك يرى الرافعي أنّ "الجميع كان مسلّماً بقضاء الله وقدره، لذلك لم نشهد أعمال عنف أو رد فعل عشوائياً رغم حجم المأساة وهول المناظر".
ويرى الرافعي أنّ "الدولة قصّرت كثيراً في هذا الملف ولم تقتص من الفاعل والمنفذ والمخطط"، مؤكداً "أننا لا نزال نؤمن بالدولة ولسنا مع أي ردّ فعل عشوائي أو غرائزي، لكن إن بقيت الدولة مقصّرة فقد يضطر الناس الى أخذ حقّهم بأيديهم وهو ما لا نحبذه، إنّما سيكون ملجأ الناس الأخير نتيجة التقصير".
بارودي: المجزرة "صكّ براءة" لطرابلس
إمام مسجد "السلام" الشيخ بلال بارودي يرى في حديثه لـ"لبنان 24" أنّ "تفجير المسجدين هو صكّ براءة لطرابلس التي حاولوا مراراً وتكراراً وصمها بالإرهاب والتطرف إلا أنّ الجميع بات يعلم أنّها مجرّد افتراءات بحقّ المدينة وأهلها"، مضيفاً: "من استساغ تفجير مسجدين ومصلّين عزّل هو إرهابي موصوف بكلّ المعايير".
ويشير بارودي إلى "أنّنا أخذنا صكّ براءة ثان لأنّنا لم نقم بأيّة ردّة فعل عشوائية أو غرائزية، ولم ندع للانتقام أو الثأر حتّى أنّنا لم نتّهم طائفة بعينها، فكما أنّنا نرفض اتهامنا كطائفة سنية بالإرهاب فإنّنا نرفض اتهام الاخرين والتعميم على طائفة بل نحن نرى أنّ الإرهاب حقيقة لا دين له"، وأردف بالقول: "أنا أتذكّر أنّه كان هناك شابان من الطائفة العلوية ساعدونا بتنظيف المسجد ورفع الأضرار والأنقاض".
ويضيف بارودي: "على الرغم من هول المشاهد وخاصة حين رأيت كثيراً ممّن أعرفهم أما شهداء وأمّا جرحى أو يبحثون عن أحبائهم إلا أنّ عزائي كان أنّه بعد أسبوع واحد وفي الجمعة التالية للحادثة وجدت الجرحى قد أتوا لأداء الصلاة في المسجد، ومنهم من يلف رأسه ومنهم من يحمل يده، وهو ما بلسم جراحي وهو دليل على أنّ المجرم لم ولن يستطيع النيل من المدينة".
ويشدّد بارودي على "أنّنا لعبنا دور الإطفائي في هذه المحنة، لأنّنا نعلم أنّ المنفّذ أراد من هذا العمل أن يكون شرارة لحرب أهلية ولإشعال الفتنة بين الطرابلسيّين لكنّنا لم نعطه ما أراد"، لافتاً إلى "أنّنا لن ننتظر عدالة إلا من الله، في الدّنيا أو في الآخرة ونحن على يقين بأنّ عدالة الله آتية ولو بعد حين".
حملة "سلام وتقوى" والتضامن الطرابلسي
لا ينسى الطرابلسيون حملة "سلام وتقوى" التي انطلقت في اللّيلة نفسها التي وقع فيها التفجيران، وهي الحملة التي تشكّلت من عدد من المتطوّعين من أبناء المدينة الذين تحرّكوا عفوياً للملمة الأضرار وتنظيف مكاني التفجيرين وإحصاء الأضرار داخل المسجدين وفي الخارج إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالمنازل المجاورة، وذلك توازياً مع التحرّك السريع لورش الطوارئ في جمعية "العزم والسعادة" الاجتماعية لرفع الأنقاض وتنظيف مكان التفجيرين أيضاً.
سالي خلف المتحدّثة الإعلامية باسم الحملة آنذاك تروي في حديث لـ"لبنان 24" كيف أنّ "الحملة انطلقت بطريقة عفوية جداً، فقد كنّا مجموعة أصدقاء نظّمنا إفطاراً خلال شهر رمضان الذي سبق التفجيرين، فققرنا مباشرة أن نجتمع ونتحرّك".
وتشير خلف إلى أنّ "الحملة بدأت بعمليات التنظيف ورفع الأنقاض، إلا أنّها بدأت تكبر حيث قمنا بمساعدة قوى الأمن الداخلي في إحصاء عدد السيارات المتضرّرة قبل رفعها من المكان، ثمّ إحصاء الأضرار في المنازل المحيطة بالمسجدين".
وتتابع خلف: "لم نكن نستطيع العمل على ترميم المسجدين، فقمنا بالاستفادة من التّبرعات التي وصلتنا لمعالجة حالات الجرحى الطارئة والعمليات المستعجلة التي لا تستطيع الانتظار الموافقات الرسمية من وزارة الصحة".
وتلفت خلف إلى أنّ "حجم التّضامن معنا كان كبيراً وكانت المبادرات والأفكار سريعة، ولم نجد أي صعوبات في توزيع المهام فالجميع عمل يداً واحدة في سبيل المدينة ككلّ لأنّ كلّ متطوّع ومتبرع رأى أنّه معني بالتضامن على طريقته في هذه الفاجعة".
وتتابع خلف: "لم نكن نستطيع العمل على ترميم المسجدين، فقمنا بالاستفادة من التّبرعات التي وصلتنا لمعالجة حالات الجرحى الطارئة والعمليات المستعجلة التي لا تستطيع الانتظار الموافقات الرسمية من وزارة الصحة".
وتلفت خلف إلى أنّ "حجم التّضامن معنا كان كبيراً وكانت المبادرات والأفكار سريعة، ولم نجد أي صعوبات في توزيع المهام فالجميع عمل يداً واحدة في سبيل المدينة ككلّ لأنّ كلّ متطوّع ومتبرع رأى أنّه معني بالتضامن على طريقته في هذه الفاجعة".